23 سبتمبر 2017
الرئيسية > حوارات > الكاتب والباحث منتصر حمادة: الفاعل السلفي أصبح واقعا
الكاتب والباحث منتصر حمادة

الكاتب والباحث منتصر حمادة: الفاعل السلفي أصبح واقعا

الكاتب والباحث منتصر حمادة
الكاتب والباحث منتصر حمادة

قال منتصر حمادة، الكاتب والباحث في شؤون الحركات الإسلامية، في حوار أجرته معه دين بريس إن جمعية “البصيرة للتربية والدعوة” التي تم تأسيسها أخيرا بمدينة الدار البيضاء،  ستساهم “في لم الشتات السلفي” بالمغرب. وأكد الباحث، الذي صدر له العديد من الكتب والدراسات في مجال الشأن الديني كان آخرها “الوهابية في المغرب”، أن الفاعل السلفي أصبح واقعا لا يرتفع اليوم، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي أو الوطني، وبالتالي لم يعد مجديا تبني المقاربات الأمنية الاستئصالية في معرض التفاعل معه. وفيما يلي نص الحوار:

تم أخيرا تأسيس جمعية “البصيرة للتربية والدعوة”، يرأسها الشيخ حسن الكتاني، وناطقها الرسمي أبو حفص، وتضم شخصيات سلفية أخرى، في نظركم، هل تأتي هذه المبادرة في سياق المراجعات التي قام بها السلفيون في سجون المغرب؟

من أهم المميزات التي أصبحت لصيقة بالمشهد السلفي في المغرب، واقع التشتت والبلقنة، باستثناء تيار “السلفية العلمية” الذي يتزعمه الشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي، أما مع باقي الأسماء، سواء تعلق الأمر بمشايخ (من طينة الشيخ محمد الفيزازي)، أو طلاب العلم، سواء كانوا محسوبين على “السلفية الجهادية” سابقا أو “السلفية الحركية” التي يبدو أنها تريد تكرار تجربة حركة “التوحيد والإصلاح”، فهؤلاء لم يكونوا يوما منظمين في إطار جمعوي برموز وقواعد وأدبيات، رغم أنهم كانوا كذلك افتراضيا، ولكن على أمر الواقع، بين المتواجدين في السجون أو في الخارج، الأمر مختلف تماما.
في هذا السياق، تأتي هذه التجربة الدعوية للمساهمة في لم الشتات السلفي، وتندرج قطعا في سياق المراجعات، على اعتبار أن بعض المشاركين في هذه التجربة (ولا نتحدث عن الأعضاء القادمين من “الشبيبة الإسلامية”، أو مما تبقى منها، أو القادمين من حزب “النهضة والفضيلة”)، لم يؤمنوا سابقا بالعمل الدعوي المؤطر بهذه الصيغة، كما أنهم كانوا ضد التحزب السياسي، لولا أن مستجدات الساحة العربية على الخصوص، ساهمت في مراجعة العديد من رؤاهم ومواقفهم من العمل الجمعوي ومعه العمل السياسي، ولو أن الجمعية، كما جاء على لسان ناطقها الرسمي، عبد الوهاب رفيقي، لا تفكر في تأسيس حزب سياسي أو التحالف مع حزب قائم، ونعتقد أن هذا المشروع لا يوجد ضمن أولويات الجمعية، على المدى القريب، وقد يكون كذلك على المدى المتوسط أو البعيد.

الجمعية الجديدة ترتكز على التربية والدعوة وأصولها سلفية، والمغرب حدد ثوابته المرجعية في المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف وإمارة المومنين، فكيف ستتعايش هذه الجمعية مع السياسة الدينية المتبعة في المغرب؟

نظريا، الجمعية معنية باحترام هذه الثوابت الدينية، أما من الناحية العملية، فإنها ستجد هوامش كثيرة للعمل، على غرار السائد مع حركة “التوحيد والإصلاح” التي تنهل من مرجعية سلفية أو مع تيار “السلفية العلمية”، بل إننا نجد المرجعية السلفية موجودة حتى في بعض المؤسسات الدينية، بعلم صانعي القرار، فكيف والحالة هذه، نطالب هؤلاء باحترام هذه الثوابت (رغم إعلانهم عن ذلك)، مقابل الصمت عن مبادرات ومشاريع باقي الفاعلين الإسلاميين والسلفيين، في هذه الحركة الإسلامية أو ذلك التيار السلفي..
بمعنى آخر، مجرد الحديث عن جمعية سلفية في السياق الزمني الراهن، وليس السياق الزمني لفترة علال الفاسي أو أبي شعيب الدكالي أو المختار السوسي، يحيل على المرجعية السلفية في شقها الوهابي تحديدا، ولكن حسابات الجميع (صناع القرار، السلفيون..) تتطلب اليوم، صرف النظر عن تبعات هذا الملف، لأن هناك ملفات ذات أولوية مجتمعية، تتطلب تأسيس وتشجيع مثل هذه المبادرات.

هل يمكن القول إن هذه الجمعية الجديدة ستعمل على جمع شتات السلفيين في المغرب في إطار تنظيمي تعترف به الدولة، في انتظار تأسيس حزب سياسي في مرحلة لاحقة، كما فعلت مثلا حركة التوحيد والإصلاح مع حزب العدالة والتنمية؟

نعتقد أن جمع الشتات السلفي يعتبر من أهم أولويات هذه الجمعية، فالكل مطلع على المرجعية العقدية والمذهبية لأهم الأعضاء في الجمعية، كما أن الفاعل السلفي أصبح واقعا لا يرتفع اليوم، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي أو الوطني، وبالتالي، لم يعد مجديا تبني المقاربات الأمنية الاستئصالية في معرض التفاعل معه، لأن مثل هذه المقاربات، تساهم بشكل غير مباشر في تغذية مشروعه، ومعه مشروع التيار الإخواني، وهذا ما عايناه على الخصوص مع أهم نتائج التفاعل الكوني منذ عقد ونيف، مباشرة بعد اعتداءات 11 شتنبر 2001 في نيويورك وواشنطن، حيث كانت أمام صناع القرار العربي مثلا، فرصة تاريخية للحسم مع معالم المشروع السلفي الوهابي، لولا أن طبيعة السياسات المتبعة، وإصرار أنظمة الخليج العربي على تغذية مشروع “تصدير السلفية الوهابية”، ساهما في صعود أسهم التيار السلفي في المنطقة بشكل عام، كما نعاين ذلك بشكل صادم بعيد اندلاع أحداث “الربيع العربي”.
وبالتالي، من المنتظر أن تساهم الجمعية في تجميع هذا الشتات، حتى تتضح الرؤية لدى الجميع: أقصد لدى صانعي القرار، ولدى الفاعليين الإسلاميين (من تيار إخواني وتيار سلفي)، ولدى باقي الفاعلين الدينيين (مؤسسات دينية رسمية، وطرق صوفية)، ولدى الباحثين، وأخيرا لدى الفرقاء لسياسيين والحزبيين، ومعهم الرأي العام.

إذا افترضنا أن السلفيين بالمغرب يسيرون في اتجاه تأسيس حزب سلفي مثل ما وقع في مصر (حزب النور)، هل يعني هذا انهم سينخرطون في لعبة سياسية في مواجهة فصيل إسلامي حاكم (العدالة والتنمية)، لخلق نوع من التوازن السياسي في المغرب؟

لا شك أن تأمل رموز التيار السلفي في المغرب لما آل إليه مصير فصيل إسلامي إخواني في اللعبة السياسية، يسيل لعاب أغلب هؤلاء، فبعيدا عن مقتضيات الخطاب الإسلامي الحركي، في شقه الدعوي على الخصوص، هناك مقتضيات موازية أصبحت طاغية اليوم، توقف عندها بالتفصيل الراحل فريد الأنصاري، وتفسر رغبة العديد من الفاعليين الإسلاميين (من التيار الإخواني أو السلفي) في المطالبة بحقها من الكعكة الرمزية وخاصة المادية تلك التي بزغت فجأة مع أحداث “الربيع العربي”، في شقه المغربي، بصرف النظر عن أحقية قيادة الفصيل الإسلامي المعني (حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية) لقيادة حكومة “الربيع المغربي”، ولكن إكراهات الساحة، جعلت صانعي القرار يشجعون فوز حزب العدالة والتنمية في استحقاق 25 نونبر 2011، لقيادة حكومة ما بعد “الربيع المغربي”، وتحقيق أحلام لم يتوقعها أكثر الإسلاميين تفاؤلا، حيث إنه قبل هذا المنعطف (الربيع العربي)، كان حلم عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لا يتجاوز سقف الظفر بمقعد وزاري في حكومات ماقبل “الربيع”، فإذا به يجد نفسه اليوم، بفضل “الربيع العربي” قبل المغربي، رئيسا للحكومة، ومعنيا بإدماج العديد من أصدقائه والمقربين منه في خانة وزراء حكومة هذا “الربيع”.
نقول هذا ونحن نأخذ بعين الاعتبار صورة رئيس الحكومة الحالي لدى باقي الفرقاء الإسلاميين، سواء تعلق الأمر عند الفاعلين الذين تخرجوا من “مدرسة الاختيار الإسلامي” (مصطفى المعتصم أو محمد المرواني)، أو لدى فصيل “الشبيبة الإسلامية”، أو لدى التيار السلفي الذي يتابع عن قرب أداء سلفيي الساحة المصرية، وبالتالي، كل شيء متوقع لدى الفصيل السلفي الجديد، الذي اتضح، على غرار ما جرى مع تجربة إدماج الدولة لفصيل حركة “التوحيد والإصلاح”، أنه يملك قابلية للإدماج، ويبحث هو الآخر عن مواقع امتيازات رمزية ومادية، وهذا أمر مشروع في نهاية المطاف، وكان “حلالا” على الإسلاميين السابقين، فكيف نطلب من الإسلاميين اللاحقين أن يصبح “حراما” عليهم.

هل تتوقعون هيمنة التيار الإسلامي في المستقبل على المشهد السياسي المغربي، حيث ستندثر الأحزاب السياسية الحالية وتقوم مقامها أحزاب إسلامية تمثل شتى التيارات الفكرية (حزب العدالة والتنمية، حزب الأمة، البديل الحضاري، العدل والإحسان، وحزب سلفي إلى آخر القائمة..)؟

لقد أثبت المؤشرات الأولى لساسة ما بعد “الربيع العربي”، أن الفاعل الإسلامي الحركي، يبقى فاعلا سياسيا كباقي الفاعلين السياسيين، مع فارق رفعه شعار “المرجعية الإسلامية”، وأثبتت أيضا أنه لا يحظى بضوء أخضر مطلق من لدى العامة والخاصة في معرض التفاعل مع العديد من قضايا الساحة، كما أكدت نفس التجربة أن هذا الفاعل يعاني من نقص مفاهيمي في التفاعل مع قضايا مجتمعية لا يمكن محوها أو استئصالها كما لو أنها غير موجودة أصلا في الواقع (أنظر مثلا، تعامل حزب “العدالة والتنمية” المغربي مع الملف الرياضي، حيث لا نجد أي صفحة رياضية في الجريدة الرسمية الناطقة باسم التحالف الاستراتيجي القائم بين الحركة والحزب، وأنظر أيضا إلى طبيعة تعاملهم مع قضايا الفن والمرأة وقضايا أخرى..)، هذا دون الحديث عن دلالات العديد من الأدبيات الصادمة التي صدرت من داخل التيار الإسلامي الحركي، والتي تكشف عن معطيات مؤرقة للغاية عند العامة والخاصة، ونتحدث عن خاصة وعامة تنتمي إلى مرجعيات إيديولوجية ليست بالضرورة إسلامية أو علمانية، لأن منتقدي التيار الإسلامي لا ينهلون بالضرورة من المرجعية العلمانية كما يروج لذلك الخطاب الإسلامي الحركي، وقد شهدنا في الحالة المغربية انتقادات صادرة عن فريد الأنصاري وعن بعض رموز “رابطة المستقبل الإسلامي”، ولا نتصور أنه يمكن وصف هؤلاء بأنهم علمانيون أو يساريون.
يكفي أيضا تأمل أعمال مشرفية تتطرق لأداء الحركة الإسلامية التي تقود التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ونخص بالذكر، كتاب “سر المعبد” و”قلب الإخوان” للكاتب ثروت الخرباوي، وهو عضو سابق في الجماعة وكشف عن معطيات ومعلومات لا تخدم مشروع التيار الإسلامي في الساحة العربية.
بالعودة إلى الساحة المغربية، إذا سلمنا جدلا أننا أمام كوكتيل من الأحزاب الإسلامية (إخوانية وسلفية)، من قبيل حزب العدالة والتنمية، حزب الأمة، البديل الحضاري، العدل والإحسان، وحزب سلفي في الطريق، فإن هذا الكوكتيل سيكون أول المتضررين شعبيا وبالتالي سياسيا وانتخابيا من توظيف ما يسمى “المرجعية الإسلامية” في اللعبة السياسية، لأن الرأي العام، سيطرح أسئلة جوهرية عن الفرق بين هذا الحزب الإسلامي وحزب إسلامي آخر (إخوانيا كان أم سلفيا)، وكلهم يزعمون النهل من نفس المرجعية، كما أن الرأي العام سيضغط للتأسيس لحد أدنى من العمل السياسي “المُعلمن” في اللعبة السياسية، حتى لا تصبح هذه “المرجعية الإسلامية”، ورقة للمزايدات والتوظيف السياسي على حساب باقي الأحزاب السياسية في مجال تداولي محسوب أصلا على المسلمين، وليس مجالا تداوليا مسيحيا أو يهوديا أو ملحدا.
ونعتقد أن مصير هذا الكوكتيل الإسلامي ـ ونتحدث هنا عن أدائه أخذا بعين الاعتبار أداء وزراء الحزب الإسلامي في حكومة الربيع المغربي ـ يؤسس بشكل أو بآخر لمرحلة وسط بين ما اصطلح عليه أوليفيهروا بـ”فشل الإسلام السياسي”، وما وصفه الباحث آصيف بيات بـ”ما بعد الإسلام السياسي”، مع وجود فوارق جوهرية بين المصطلحين، ووحده الزمن السياسي والانتخابي، وقلاقل اللعبة السياسية والمفاوضات وإغراء المناصب والامتيازات، من ستحسم في مصير هذا الكوكتيل، ولو أن بوادر هذا المصير أصبحت تتضح منذ الآن، أخذا بعين الاعتبار طبيعة الإقرارات التي اطلعنا عليها، وطبيعة النقاشات الدائرة في كواليس الحزب الإسلامي بخصوص مآل تجربته الإسلامية الحركية.

حوار دين بريس

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *