29 يونيو 2017
الرئيسية > حوارات > إِفِرْخَاس: أَدْعُو مسؤولي الحَقْلِ الدِّينيِّ إلى التحقق من كفاءة الخطباء
محمد إِفِرْخَاس

إِفِرْخَاس: أَدْعُو مسؤولي الحَقْلِ الدِّينيِّ إلى التحقق من كفاءة الخطباء

محمد إِفِرْخَاس
محمد إِفِرْخَاس

في هذا الحوار مع “دين بريس”، يؤكد محمد إِفِرْخَاس، الحائز على المركز الأَول في جائزة “الخطيب المُتَميِّز” في دورتها السابعة، لهذا العام (أبريل 2013م)، أنه يتمنى “أَنْ تَكُونَ ثقافة التميُّز عند الذين يَدْعُونَ إِليها في مَغْرِبِنَا الحَبيبِ دعوة حقيقة ومنطقية، تقوم على رؤية واقعية للوصول إلى هدف محدد وواضح، من القمة إلى أَقَلِّ درجات السُّلَّمِ الوَظِيفِيِّ”.
ويوجه إِفِرْخَاس، الخطيب والإمام المغربي المقيم في الإمارات، دعوة إلى القَيِّمِينَ والمسؤولين على الحَقْلِ الدِّينيِّ أن تكون دعوتهم وأَعمالهم واضحة الأهداف، وأَنْ تُرَاجَعَ باستمرار إجراءاتهم وتواصلهم الدائم مع المعنيين والشركاء والمستفيدين وَرُوَّادِ المساجد…
كما يتطرق في حديثه إلى جملة من القضايا المتعلقة بدور الخطيب ورسالة المسجد ومعايير جائزة الخطيب المتميز… وهذه نص الحوار:
كيف ترى هذا التتويج وهذا التميز في الخطابة بالنسبة لك كخطيب وإمام مغربي مقيم في الإمارات؟
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى، وعلى آله وصحبه الشرفا، ومن تبعهم فوفى ووفَّى.
أمَّا بعد: فَإِنَّ ثَنَائِي عَطِرٌ لِمِنبَرِكُم الإِعلامِيّ مِنْ مُبتدَئِه إِلى مُنتَهَاه، والذي يَدُلُّ اسمُهُ على مُسَمَّاه، وأَسأَلُ الله أَن يرزقكم الإِخلاصَ وَرِضَاه.

في الحقيقة، أَشْعُرُ بسعادة غامرة لإحراز هذه المكانة المرموقة، واحتلال المركز الأول في فئة الخطيب المتميز بين خطباء الدائرة الذين يمثلون 35 جنسيَّةً، كما أَشعر بالفخر والاعتزاز لاستلام الجائزة التي تُمَثِّلُ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أَنَّ خطيب المنبر مُوَقِّعٌ عن رَبِّ العَالَمِين، وعن رسوله الأَمين.

وبقدر ما تُعَدُّ هذه الجوائز تكريماً للدعاة إِلى الله، بقدر ما تُحَمِّلُنِي الكثير من المسؤولية والتبعات في المرحلة القادمة، لإيماني بأن المحافظة على هذه المكانة أصعب من الوصول إليها، ومسيرة التميز المؤسسي لا حدود ولا نهاية لها، ولذلك فأنا حريص على أن أَمضي قدماً نحو التطوير والتحديث المستمر، وتطبيق أفضل معايير التميز العالمية، والبحث عن أفضل الحلول لمشكلات ومعوقات العمل الدَّعَوِيّ، سواء على المستوى الخطابي أو الوَعظيّ أو الإِرشاديّ أو على مستوى تقديم الخدمات لكافَّة رُوَّاد المسجد، وبخاصَّة في دبي التي يَعِيشُ على أَرضِهَا المِعْطَاءَةِ 204 جنسيَّة.

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ أَنَّ التفاوت واضح بين الناس في القدرات، ولا يوجد شخص لديه جميع المواهب أو المهارات، وقد راعى النبي هذا الأصل البشري، فكان يوظف أصحابه في ما يتميزون به من عمل، فاستعمل خالداً في قيادة الجيش لما تميّز به من خبرة قتالية وشدة في العيش، فكان النصر حليفه في كل معركة… وادَّخر أبا هريرة إلى جواره، لما رأى فيه من التميز في الحفظ والذاكرة، فروى لنا أكثر من أربعة آلاف حديث، واختار زيد بن ثابت لتعلم اللغات، ليتسنى له ترجمة الكتب التي تأتيه، فأتقن السريانية في خمسة عشر يوماً… وكان النبي يوزع شهادات تميّز على أصحابه بين الفينة والأخرى تقديراً لجهودهم في المجالات التي برعوا فيها، فقد روى أَنَس بْن مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيناً، وَإِنَّ أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ). ومِنْ قَبْلِهِمْ تَمَيَّزَ رسول الله عن كل قومه، فكان يُلقَّبُ بـ (الصادق الأمين)، وميّزه الله عن سائر الأنبياء بجملة من الخصال، فكان يقول: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي، وَلا أَقُولُهُنَّ فَخْرًا: بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، فَأَخَّرْتُهَا لِأُمَّتِي، فَهِيَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً).

ما هي المعايير التي تعتمدها دائرة الشؤون الإِسلامية بدبي لاختيار الفائزين بمثل هذه الجوائز؟
من المعلوم أن الدوائر والهيئات والمؤسسات الحكومية في دبي بما فيها أَوقاف دبي، هي دوائر متطورة تقف خلفها قيادة ملهمة ومحفزة، تتمثل في صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولا شك أنها كذلك قد استفادت من الطفرة التحديثية في إمارة دبي خلال العقد المنصرم، وطورت من أدائها وأدواتها، وخاصة في مجال الحلول التقنية التي أحدثت ثورة إدارية شاملة في إطار حكومة دبي الإلكترونية، ولذلك فإن المنافسة بينها في برامج التميز تَتَّسِمُ بالنِّدِّيَّة.

وتُرَكِّزُ أوقاف دبي بشدة في الآونة الأخيرة على التنمية المستدامة التي تتمحور حول بناء القدرات البشرية، سعياً إلى توفير الحلول الناجعة المؤدية إلى إحداث تغيير سريع على أرض الواقع… هذا بالإضافة إلى مساهمتها الكبيرة في الدعوة إلى الوسطية والاعتدال في مجال الوعظ والإرشاد الدينيّ، وهو سبب دعمته الدائرة بلا كلل على أعلى مستوى، حتى أصبح يُشكل ركناً أساسياً من أركان برامج أنشطتها الحالية.

وهذه الجائزة تقوم على أساس التقييم الدقيق الداخلي من خلال طلبات الترشيح، من قبل مقيمين متخصصين ومؤهلين ويتصفون بالحيادية والموضوعية والتجرد، وِفْقاً لمجموعةٍ من المعايير، وهي:

* المعيار الأَول: الْأَداء والإِنْجاز، وَيَشْمَل:
1- الجهود المبذولة لتحقيق أهداف محدّدة وإنجازات فردية.
2- التغلب على المعوقات والصعوبات.
3- سرعة ودقة الإنجازات مقارنة بالمواعيد المحددة لها.
4- مدى تجاوز التوقعات ومهام الوظيفية.

* المعيار الثاني: الكَفاءَة، وَتَضُمُّ:
1- العمل ضمن خطة واضحة ذات مؤشرات أداء وأطر زمنية محددة.
2- تحمل ظروف العمل ومتطلباته.
3- امتلاك طبيعة مرنة وسرعة تبني التغيير.
4- الانفتاح على التحديات الجديدة وبذل الجهود الإضافية.

* المعيار الثالث: الْإِبْداع، وَيَتَكَوَّن من:
1- التفكير غير النمطي وتوليد وتبادل الأفكار الإبداعية.
2- استخدام المهارات والتقنيات الحديثة والأساليب المتطورة في العمل.
3- التحسين المستمر لإجراءات العمل والخدمات.
4- طبيعة الإبداع ونتائجه وتأثيراته.

* المعيار الرابع: الاتِّصَال والتَّعامُل، ويَحْوِي:
1- استخدام مهارات اتصال فعالة.
2- العمل بفعالية كفريق والمبادرة بمساعدة الآخرين.
3- فهم حاجات المتعاملين والحرص على تجاوز توقعاتهم.
4- المشاركة في الفعاليات الرسمية وغير الرسمية والأعمال التطوعية.

* المعيار الخامس: التَّعَلُّم الذَّاتِي، وَتَنْبَثِقُ منه:
1- الجهود المبذولة للارتقاء بالتحصيل العلمي والتنمية الذاتية للمعرفة والمهارات.
2- التبادل المعرفي مع الآخرين.
3- مدى السرعة في اكتساب المعرفة والمهارات.
4- المشاركة في المجموعات المهنية المتخصصة.

ماذا عن أهمية هذه الجائزة بالنسبة للجهود التي تبذلها كإمام وخطيب في الدعوة إِلى الله في المساجد وعلى المنابر؟
المسجد في الإسلام هو مكان العبادة، وهو كذلك المكان الذي يُصْدِرُ منه إمام المسلمين كل فتاواه، في شتى شؤون الدين والدنيا، وهو مجتمع المسلمين، ومنتداهم لتدبير شؤونهم العامة والخاصة، وهو الذي يلوذ به كل مسلم ليبسط آلامه وآماله، والملجأ الذي يلجأ إليه كل مظلوم ليعرض مظلمته، ولينال الإنصاف، وهو القلعة الحصينة التي تقف أمامها كل قوى الشر خاسرة خائرة القوى، مشلولة الإرادة، عاجزة عن العمل وتدبير المؤامرات ضد الإسلام.

والمسجد مظهر الروحانية العظمى في الإسلام، وهو منارة التوحيد، وشعار الإيمان، وملاذ الخائف، وموئل المستضعف، وقد زاده الله – عز وجل – تشريفاً فسَمَّاهُ “بيت الله”، وجعل ثواب عمارته عظيماً، وجعل بناءه عملاً كبيراً عنده، وجعل الصَّدَّ عنه ومنع المسلمين من دخوله للعبادة؛ جريمة لا تَعْدِلُهَا جريمة.

والإسلام يهذب النفوس، ويعلمها كيف تعايش المجتمع، وكيف تكون مراعاة الشعور… وكل ذلك موجود في المسجد وبخاصة عند الإمام والخطيب، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- القدوة في ذلك، فقد كان يراعي الناس، ويقدر اهتماماتهم فهذه -على سبيل المثال- امرأة يبكي طفلها وهي في الصلاة؛ فما الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- لأجلها؟ عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: (إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها؛ فأسمع بكاء الصبي فأخفف؛ من شدة وجد أمه به). وعنه أيضاً أنه قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة، أو بالسورة القصيرة). فَلْنَنْظُرْ إلى رحمته  ورفقه بالمصلين، ولْنَنْظُرْ إِليه وهو يشعر بمشاعرهم، ويحس بإحساسهم.

والنوازل المدلهمة بأمة الإسلام؛ بحاجة مَاسَّةٍ إلى لبيب يحسن توجيه الناس فيها، وقائدٍ يجيد ترشيدهم لما ينبغي عليهم صنعه إزاءها، وكيف لهم أن يتعاطوها أو يتعاملوا معها؟

وحقيقةً لا يضطلع بهذا الدور مثل خُطَباء المنابر، الذين ارتضاهم الناس ليكونوا لهم أئمة في أعظم شعيرة افترضها الله عليهم، ألا وهي الصلاة، فكيف بما هو دونها من القضايا والمسائل والنوازل؟

فليتأكد خَطيب المسجد أن هذه المسؤولية مناطة به أكثر من غيره، فليعقل جواده، وليتوكل على الله، وهو حسبه وكافيه، ثم لا ينسى أن يفتح باباً بينه وبين الله يرجو منه المدد والإلهام، والتوفيق في الإفهام، فالمسألة تتعلق بِأُمَّةٍ وَجَّهَتْ أَعْنَاقَهَا إليه، تنتظر من يحسن توجيهها، والخطيب أعظم المخولين لذلك، كان الله في عونه، ولْيَرْعَهُ حيث كان.

جائزة التميز من المبادرات المهمة، وكنقطة انطلاق للإبداع، إلى ماذا تهدف في تقديرك؟

تهدف الجائزة إلى نقل أفضل التجارب التي يتم التعرف عليها أثناء عمليات التقييم إلى جميع الخطباء للاستـفادة منها وتعميمها. ذلِكَ أَنَّ التميز هو أداء العمل المألوف بطريقة عالية الأداء، تَحقيقاً للكفاءة والفاعليَّة حتى يبدو فضله على مثله، وهذا يتطلب من المرء أن يعرف جميع تفاصيل المهارة التي يقوم بها، وأن يكون إبداعه في مجال لم يبدع فيه الكثير من الناس، فلا يكون عمله مكرراً فيملّه الناس ولا يهتمون له.
والمسلم عندما يسمع قوله تعالى (واجعلنا للمتقين إماماً) يعلم أن عليه السعي لتلك الإمامة، ليس فقط فى العقيدة أو العبادة أو المظهر، وإنما أَيضاً في الإنتاج والسلوك والقدوة، لينهض بأمته فيجمع بين خيريْ الدنيا والآخرة. وإنه لمّا يقرأ قوله تعالى (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان)، يقول نعم إنه سلطان التميز فى العلم والمعرفة، ويرى أَن من واجبه أن يبذل كل ما في وسعه، لتمتلك أمته الأسباب المادية للرفعة والتقدم والرقي فيكون بذرة خير وإصلاح.

لا شك أن هذه الجائزة تعتبر حافزاً من أجل تطوير الأداء، والتشجيع على خوض غمار المنافسة الشريفة، التي من شأنها أن تساعد في التميز والارتقاء بمستوى العمل المؤسسي؟
في الإمارات أصبح نشر ثقافة التميّز نهجاً تتبعه مختلف الوزارات والهيئات الحكومية، التي تحرص على تحفيز موظّفيها على الارتقاء بأدائهم، وتنمية مهاراتهم بشكل متواصل، والدليل على ذلك أن كثيراً من الجوائز قد أُنْشِئَتْ لهذا الغرض.
طَبْعاً، حينما يتحول التميز إلى ثقافة في أي مجتمع من المجتمعات، فإن ذلك يكون دليلاً على حيوية هذا المجتمع، وامتلاكه الأساس القوي للتقدّم والرقي، وهذا لا شك أنه ينطوي على مردودات إيجابية عديدة…

أولها: الارتقاء بالأداء داخل مؤسسات الدولة ليصل إلى المستويات العالميّة المطلوبة، فوجود جائزة تُمْنَحُ للمتميزين، سواء كانوا مؤسسات أو أفراداً، يحفز على الارتقاء بالأداء ومستوى الخدمات التي يتمّ تقديمها إلى أفراد المجتمع.
ثانيها: التنافس الإيجابي البنّاء بين مؤسسات الدولة المختلفة، فحينما يَتِمُّ تكريم وزارة أو مؤسسة ما لإنجازاتها وتميزها، فإن ذلك يكون حافزاً للمؤسسات الأُخرى على الإنجاز والتميّز، وتكون النتيجة العامة لذلك كُلِّهِ هي الارتقاء بالأداء الحكومي والنهوض به، والوصول إلى الهدف الأسمى، وهو “حكومة المتميزين المبدعين”.
ثالثها: أن تكريم المتميزين من الأفراد يَصُبُّ في خدمة الارتقاء بالموارد البشرية، لأنه يدفع الأفراد العاملين في مؤسسات الدولة المختلفة إلى تنمية مهاراتهم، وإتقان المهام التي يمارسونها، وهذا الأمر فوق أنه يسهم في بناء الكوادر الوطنية المؤهّلة، يُعَدُّ مَدْخَلاً مُهِمّاً نحو اكتشاف المواهب البشرية التي تمتلك صفات القيادة في مختلف مواقع العمل والإنتاج.

ثقافة التميز والجودة في العمل المؤسسي، تخرج مبدعين ومتميزين وتشجع على البذل والعطاء. هل نعتمد في المغرب على هذه الثقافة؟
أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ ثقافة التميُّز عند الذين يَدْعُونَ إِليها في مَغْرِبِنَا الحَبيبِ دعوة حقيقة ومنطقية، تقوم على رؤية واقعية للوصول إلى هدف محدد وواضح، من القمة إلى أَقَلِّ درجات السُّلَّمِ الوَظِيفِيِّ.

فالأَداء الإِداري الحكومي في عالمنا العربي مشكلة كبرى، علينا أَن نواجهها بكل شجاعة بثقافة التميز، التي يجب أَنْ تكون شعلة تضيء وتحرك المؤسسات الحكومية وموظفيها قاطبة، لِيَتِمَّ جَنْيُ العديد من الإنجازات على المستوى الحكومي، ولن يَتِمَّ هذا  إِلا بعد القضاء على العمل الروتيني في القطاعات الحكومية، وتحقيق النصر على التحديات، وخلق فرص للإِبداع والتغيير في وزاراتِنَا المحلية بالمملكة المغربية لجهة أدائها وخدماتها وأساليب عملها وطريقة تفكيرها.

ولِفَهْمِ القِيَمِ التي يَتِمُّ تَبَنِّيهَا في أَيَّةِ مُؤَسَّسةٍ لِلْوُصُولِ لِثَقَافة التميٍز نَستطيع إِجمالها في التالي:
إِرْضَاءُ الزبون (ونعني به في مؤسسة المسجد المصلين)، والعمليات الفاعلة، وقياس المخرجات الصحيحة، والشَّرَاكَةَ مع المعْنِيِّينَ، والتحسين المستمر، والعناية بالبيئة، والتركيز على النتائج، والقيادة الملهمة، والعمل الجماعي، والتمكن، والمساءلة، والتواصل، والشفافية، وربط المخرجات بالنتائج، وتجنب الأخطاء…

وبكل بساطة، ثقافــة التميـّز هي مجموعة من طرق التفكير والسلوك والتعامل لمعظم الموظفين في المؤسسة مع بعضهم البعض من جهة، ومع المستفيدين والزبائن والموردين والمساهمين والشركاء الاستراتيجيِّين… من جهة أُخرى، فهي تغطي معظم علاقات المؤسسة بالمجتمع المحلي والدولي والعالمي.

ولا شكَّ أَنَّ أَمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس -يحفظه الله- يسعى إلى تحقيق الرؤية الثاقبة المتمثلة في تمكين القطاع الحكومي بالمملكة المغربية من التفوق في أنظمته وأدائه وخدماته ونتائجه وموارده البشرية. من هنا نلتمس من المسؤولين وصناع القرار ببلدنا الحبيب تطبيق نموذج عالمي للتميز، وإطلاق مجموعة متنوعة ومستمرة من المبادرات التطويرية، بما يعزز ثقافة الإِبداع والولاء والتميز، لدى كافة موظفي القطاع الحكومي. وأن يكون عنواناً للتميز والإبداع والتطور، وبما يحقق رسالة “حكومة التميز” في توفير البيئة الإِبداعيَّة المحفزة، وبما يسهم في استدامة التنمية والازدهار.

هذه الجائزة تعكس مدى التزام الأئمة والخطباء المغاربة بدولة الإِمارات بتطبيق أحدث المعايير لخدمة بيوت الله، وتنفيذ أفضل الممارسات العالية الجودة لكافة المستويات الدينية… ماذا عن التزام خطبائنا بالمعايير الحديثة المعتمدة على الجودة الدينية لخدمة المساجد المغربية؟
التميز مطلب شرعي، وحاجة ضرورية، لأنه وسيلة للنجاح في الدنيا، قال الله تعالى: (ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً)، وقال رسول الله: (من عمل منكم عملاً فليتقنه)، فإحسان العمل وإتقانه من التميز، والتميز سبيل التقدم والحضارة والازدهار، وهو سبب رئيس في ظهور الاكتشافات العلمية، التي أفادت الأمم البشرية، وتاريخنا الإسلامي يشهد للمتميزين من هذه الأمة، الذين أثروا الفكر الإنساني بمؤلفاتهم وإنجازاتهم العلمية، في الطب والرياضيات، والفيزياء والكيمياء، والجبر والهندسة، وعلم الفلك والبصريات… حتى كانت كتبهم تدرس في جامعات أوروبا.

وما أَكثر الخطباء المتميِّزِين في مملكتنا المغربية الحبيبة، التي يُشَارُ إلى دُعاتِهَا وخُطَبَائِهَا وعُلَمَائِهَا الْأَجِلَّاء بِالْبَنَانِ في المحافِلِ الدوليَّة، والذين وَضَعُوا بَصَمَاتٍ فريدة في مجال الثقافة الإسلاميَّة والدينيَّة…

ووزارة الأَوقاف بالمغرب في السَّنَوات الأَخيرة تَحَرَّكَتْ نَحْوَ تكريم الحُفَّاظِ والمُحَفِّظِينَ، والدُّعاةِ والباحِثِينَ، بل أَصبحَتْ تُرْسِلُهُمْ للدول الخليجيَّةِ والأُوروبيَّة لصلاة التراويح والوعظ والإِرشاد، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَفَاءَتِهمْ وَفَاعِلِيَّتِهِمْ…

ولِأَنِّي من خريجي المدارس العتيقة، وأَحَد أبنائِهَا البَارِّينَ، أَدْعُو القَيِّمِينَ والمسؤولين على الحَقْلِ الدِّينيِّ أن تكون دعوتهم وأَعمالهم واضحة الأهداف، وتحدد المدخلات والمخرجات، وتركز على النتائج لا على الإجراءات، وتكون ذات صلاحيات واسعة وقادرة على المنافسة، وأَنْ تُرَاجَعَ باستمرار إجراءاتهم وتواصلهم الدائم مع المعنيين والشركاء والمستفيدين وَرُوَّادِ المساجد… وأَن يطبقوا قياس الأداء المتمثِّل في التحقق من كفاءة وفاعلية الخطباء في استخدام مواردهم وإمكانياتهم المتاحة، باستخدام نموذج أو نماذج معينة تُرَكِّزُ على لغة الجَسَدِ في الإِلْقَاء، وَنَبَرَاتِ الصَّوت، والدَّعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحَسَنَة… وذلك لِتَحْبِيبِ الشَّبَابِ والشَّابَّاتِ حضور حلقات العلم وتحفيظ القرآن، ولتحسين مستوى الخدمات في بيوت الله، وتحديد المشكلات الدعويَّة، وَإِدارة الخِلافات، وتخفيض نسبة الأُمِّيَّة الدينيَّة، وتشخيص أسباب انخفاض الثقافة والوعي الدينيّ، هذا مِنْ جِهَةٍ.

وَمِنْ جَهَةٍ أُخْرَى، وفي ظِلِّ المسؤوليات والضغوط الكبيرة، نَاهِيكَ عن التغيير المستمِرّ؛ توجد حاجةٌ مَاسَّةٌ لتزويد الخُطَبَاء بالمهارات اللازمة للتعامل مع هذه التغييرات. إنَّ العالَم يبحث عن القادة والأَفراد الْمِثَالِيِّينَ، الذين يُمْكِنُهُمْ التأْثيرُ بصورةٍ إيجابِيَّةٍ على حياة الآخَرِين، سواءً في المنزل أو المدرسة أو الجامعة أو حتى في العمل.

والإلقاء هو جِسْرٌ لِنَقْلِ أَفْكَارِكَ وَتَأْثِيرِكَ على الْآخَرِينَ وَإِبْهَارِهِمْ..! مِمَّا يَتَطَلَّبُ جُرْأَةً فِي التَّحَدُّثِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْرَارِ التَّأْثِيرِ والْإِقْنَاعِ.

وَتُعَدُّ الخُطَبُ أَكثرَ الأَساليبِ أَثَراً في الارتِبَاطِ بالجمهور منذ عَهْدِ قُدَمَاءِ الإِغريقِ، ولكنَّ التّقْنِيَّاتِ الحديثَةَ جَعَلَتْنَا نَمِيلُ إِلى استخدامِ أُسلوبٍ عَادِيٍّ وعَامِّيٍّ أَثناءَ الاتِّصَالِ الجَمَاهِيرِيِّ.

وتَسْتَطِيعُ الارتِبَاطَ بجمهورِكَ بِصِدْقٍ والتَّأْثِيرَ فيه… إِذا كانت كلماتُكَ التي تَنْطِقُ بها تَدْفَعُ الناسَ نَحْوَ العَمَلِ الْإِيجابِيِّ، وتَغْرِسُ الْإِقْدَامَ في النُّفُوس، وتُؤَجِّجُ المشاعِرَ في القُلُوب…

وتُعتَبَر القُدرَةُ على إِلْقَاءِ خِطابٍ مُؤَثِّرٍ أَدَاةً حَيَوِيَّةً لِلْأَفْرَادِ المُتَحَدِّثِينَ، الذين يُؤَدُّونَ دَوْراً مُهِمّاً في إِيصالِ رَسَائِلِهِمْ إِلى الجُمهور، والمجموعاتِ المُتَخَصِّصَة في الفَعالِيَاتِ والمُلتَقَيَاتِ الدَّوليَّة.

إنَّ امتلاكَ مهاراتِ الخَطَابَةِ الفَعَّالةِ هو مفتاح القيادة الناجحة، وخاصَّةً في القطاع الحكومي، حيث إِن المسؤولين بحاجة إلى التواصل ومشاركة رسائلهم مع الجمهور. وسواءً كان ذلك لأَغْرَاضٍ إعلامية، أو الإِقناع، أو حتى الترفيه، فإنَّ الخطَابَةَ والتَّحَدُّثَ أَمامَ الجمهورِ هُوَ شَكْلٌ من أشكال الاتِّصَال، حيث إِنَّ المتَحَدِّثَ لديه فرصةٌ واحدةٌ فقط لتقديم الرسالة. ولذلك، من المهم أن يَبْقَى حديثُه بسيطاً وسَهْلَ الفهم بالنسبة للمستمعين.

وليس من السهل التحدُّثُ إلى جمهور عام؛ وفي الواقع، أُنَاسٌ قليلون فقط يمكنهم القيام بذلك؛ فغالبية المتحدثين يَتَمَلَّكُهُمْ القَلَقُ عند التحدث أمام الجمهور، وهذا الخوف يَنْبُعُ من عدم المعرفة وقلة الإلمام بالموضوع مع غياب التحضير، وهو عُنْصُرٌ أَسَاسِيٌّ لإلقاءِ خِطَابٍ قَوِيٍّ.

وَمَنْ يَتَدَبَّرُ القرآن الكريم يَكْتَشِفُ أَنَّ لَهُ مَنْهَجاً رَشِيداً في خطاب المدْعُوِّينَ، فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ هو خالقُهُم، وهو أعلم بهم من أنفسهم، فخاطب كُلَّ صِنْفٍ منهم بما يناسبه من التأثير والانفعال النفسي، وإثارة الوجدان، وتحريك العواطف، حتى ينتج عن ذلك الاستجابة لما يُدْعَوْن إليه؛ لذا يجب أَنْ يَتَّبِعَ الخَطِيبُ في عَرْضِ كَلِمَتِهِ وَنَشْرِهَا كُلَّ أُسْلُوبٍ يُوصِلُهَا قلوبَ الناس، ويُحَقِّقُ الغايةَ المطلوبَةَ منها.

هل سبق وأن حصلت على جوائز أخرى في التميز أو في مجال البحوث والدراسات؟
أَجَلْ، أَكْرَمَنِي الله بِمَنِّهِ وَتوفِيقِه، فَحَصَلْتُ على:
جائزة مسابقة القرآن الكريم، التي أقامَتْهَا إدارة أوقاف حلوان، التابعة لمديرية أوقاف القاهرة، في العام الهجري 1423ه.
جائزة مسابقة أسبوع السيرة النبوية، بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف، (20/4/2005م)، من دائرة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدبي، الإمارات.
جائزة مسابقة حفظ المتون العلمية، فرع (الشاطبية)، في دورتها الأُولَى 1429-2008م، من إدارة المؤسسات الإسلامية، بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، بدبي-الإمارات.
جائزة الدراسات والبحوث، للباحثين العرب والشباب، الدورة السادسة 2009م، تحت عنوان: (الأزمة المالية وترشيد الإنفاق الْأُسَرِيّ)، من مراكز التنمية الأسرية، بالشارقة- الإمارات.
جائزة: (الإِمام المتَمَيِّز)، الدورة الرابعة، لعام: 2009/2010م، مِنْ: دائرة الشؤون الإِسلاميَّة والعمل الخيري، بدبي- الإمارات.
شهادة: (الْأَدَاء المُرْتَفِع)، خلال العام: 2009م، ضِمْنَ نِظَام إِدَارَة الْأَداء الوظيفي، مِنْ: دائرة الشؤون الإِسلاميَّة
شهادة تقدير لِلْإِسْهَام في المسابَقَة البَحْثِيَّة عن الحُرِّيَّات السياسيَّة والمَدَنِيَّة في دستور الإِمارات، (27/12/2012م)، مِنْ (مَرْكَز المِزْمَاة للدراسات والبحوث)، بدبي.

وختاماً أَقول: لِكَيْ يَسِيرَ المسلم فى طريق التميز، لا بُدَّ له من الأخذ بالأسباب المادية والمعنوية التي تعين على ذلك، وأهمها: الإخلاص/ العزيمة والصدق/ الاستعانة بالله والدعاء/ استشعار قيمة النفس وسمو الغاية/ الثقة بالإمكانيات والنفس/ الصبر والتضحية/ توافر القدوة الحسنة/ الصحبة الصالحة/ الإقلاع عن المعاصي/ علو الهمة/ الاهتمام بمعالي الأمور/ دقة ترتيب الأولويات/ الحماسة/ تنظيم الوقت/ الإيجابية/ الجدية/ التركيز/ الابتكار/ القناعة والرضا/ الموازنة بين القدرات والاحتياجات والغايات/ تحصيل العلم والخبرة من الآخرين…

 

حوار: خليد اكدادر

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *