23 يونيو 2017
الرئيسية > آراء ومواقف > مقالات > (إقامة الدولة الإسلامية أولاً) شعارٌ مُوهِم ومُضَلّل!
خالد السيف

(إقامة الدولة الإسلامية أولاً) شعارٌ مُوهِم ومُضَلّل!

خالد السيفكثيرون، أولئك الذين لا يحتملون، مثل هذا العنوان، وأكثر منهم جسارةً: مَن يتوجّسون منه خيفةً، إذ لا يرون في صاحب هذه الكتابة إلا سوءاً. (سامحهم الله)
قد لا أعير هؤلائي، ولا أولئك، كبير اهتمام، ذلك أنّ الأمر أكبر منّا جميعاً. في حين أني سأظلّ كلِفاً بمخاطبة: العقلاء- في الفريقين- بجملة مِن أسئلة يفترض أن تكون مشاعة. وعلى أيّ حالٍ، فلعلّ- مثل أسئلتي هذه- أن يكون مِن شأنها: إزالة ما قد يغشي على الأبصار عادةً مِن عمىً، وبخاصةٍ إبان وقوعها على مثل العنوان بادي الأمر..
وهي في الغالب: «أسئلة»، ما أحسبني ببسطها، قد أتيت بدعاً من القول، فما أنا إلا: «مُنتَجَ قرائي»، أحفلُ بأسئلةٍ تثيرُ راكداً مِن عقولكم، بفعل تخديرها من لدن القوم إياهم!. ومن هنا فـ: «أسئلتي» لا تخرج عن كونها: نثاراً من فقه :«خذوا حذركم»
ودونكم الأسئلة بشيءٍ كبير من إيجاز:

1- لئن لم يكن ثمة نص شرعيّ، صريح واحد، آمراً أو ملزماً بإقامة: «الدولة الإسلامية» فهل يسعنا حينذاكَ، أن نفتري على الله الكذب، ونقول بما تصف ألسنتنا: «أننا متعبدون بإقامة الدولة»؟
2- بل سأمضي، إلى ما هو أبعد من ذلك، وأطلب بإلحاحٍ:(هاتوا لي برهاناً- من كتاب أو صحيح سنة-، إن كنتم صادقين، برهاناً يُرغّب بـ: «إقامة الدولة» أو يُرهّب من عدم الإقامة لها؟. ليرتب على ذلك عقوبة في الدنيا أو في الآخرة، حال عدم الامتثال.
3- وفي حال لم تجدوا- ولن تجدوا- فهل أنكم تتفقون مع مَن يقول بأن: «إقامة الدولة»، وإيجابها، إنما اكتسب شرعيّته بـ:«دلالة الاستنباط» وحسب، بمعنى أنه لا يعدو أن يكون: «محض اجتهاد»، يخضع أمره بالضرورة -التأصيلية- إلى النظر المصلحي ليس إلا، والذي هو الآخر تتباين فيه مواقع النظر، على اعتبار فقه المآلات.؟!
4- لربما أن تقولوا: إنّ هذا كافٍ، في إيجابِ: «إقامة الدولة»
وإذا ما تمّ التسليم لكم، بدلالة الاجتهاد -بأدوات استنباط وقياس- على وجوب: «إقامة الدولة»، فبأي: «خانةٍ» ستجعلون: «وجوب إقامة الدولة»، بمعنىً أظهر: أهي من باب: «الوسائل» أم من باب: «المقاصد»؟!
5- و نظير الافتقار إلى: «نص صريح» أو إلى: «قياس صحيح»، فليس بدّ إذ ذاك من النظر، إلى وجوب: «إقامة الدولة» لا على اعتبارها من: «المقاصد» بل هي أدخل في باب: «الوسائل» و أوكد، ديانةً وفقهاً.
وعليه فهل يسوغ لنا، أن نُجري عليها، الأحكام المتعلقة بـ:«الوسائل»؟!
6- أيّا يكن شرف «الوسائل»، ومتعلقها من: «المقاصد»، إلا أنّه لا يكاد يخرج بالوسيلة، من كونها: «واجبة لغيرها» إذ: «المقصد» وحده الواجب لذاته، وما كان واجبا لغيره فهو بالضرورة أدنى مرتبةً.
وإذن.. فإلى أيّ مرتبةِ يمكننا أن نلحق: «إقامة الدولة»؟! مع أنها لا تعدو أن تكون: «وسيلة» ليس إلا.
لا جرمَ أنّ أصول السياسة الشرعية، وفقهها المعتبر، سينتهي بنا، إلى القول بأنّ: «وجوب إقامة الدولة» وسيلة إلى غيره، ولا يمكن بأي حال، استثنائه عن بقية الوسائل في أخذ أحكامها، ذلك أنّ المبالغة في شأن: «إقامة الدولة» بحيث يتمّ نقلها تعسفاً إلى حكم: «المقاصد» إنما هو: قول بلا علم، ومحض افتراء، على الشرع وفقهه.
*لعلّه ما مِن أحد، يمكنه أن يُماري في: أنّ الإسلام دينٌ لأمةٍ، وليس ديناً لدولةٍ وحسب. وعليه، فهل يمكن للدولة إذ ذاك، أن تقوم مقام الأمة، وتلغي بالتالي وظائفها؟!
وعلى ذمة جملةٍ من المحققين: هل إنّ هاجسَ: «الدولة» قد استحالَ عقدةً، لا يفتأ: «الحزبيون» من استصحابِهَا، أثناء مشغولاتهم. وبخاصةٍ في كلّ ما يأتون ويذرون مِن حراكهم السياسيّ، إذ إنّه ما تلبث – في سياقٍ من أدلجتها- أن تتضخّم: تلك الدولةُ، وبصورةٍ منتفشةٍ، بحيث تأخذها المبالغةُ إلى شيءٍ من التأليه.!
* لا مشاحةَ في أنّ شعار: «الإسلام دين ودولة» مصطلحٌ حادثٌ، وبامتيازٍ هو الآخر قد تمّت أدلجته. ولئن ساغ قبول تداوله، بوصفه:«وسيلة» لا مقصداً شرعيّاً، فإنه -وفق ما أفهمه- لا يصحّ بأي حالٍ أن يُستعاض به عما توافرت عليه دلالة النصوص الشرعية من المفهوم الشرعي لـ: «الإسلام دين وأمة».
إلى ذلك نتساءل: مَن ذا الذي استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!
وهل أنّ المرحلةَ، قد دقّت ساعتها، وفق عقارب: «الإخوان» للتّواصي بالقول المبين: كفّوا أيديكم عن: «إقامة الدولة» وأقيموا: «الحركة» مقام الأمة؟!.
بينما نسأل: «حزب التحرير» إلى أين انتهت بكم المطالبة في عودة: «الخلافة»؟! (صح النوم)
المنهك للأمة كلها، حينما ننتظر الإجابة، عن كل هذه الأسئلة، من لدن: «جبهة النصرة» وأخواتها!.
*منَ يُسأل عن إقحام: «الدولة الإسلامية» في كتاب: «العقيدة»؟! بحيث أضحت من مسائل: «أصول الدين»؟!، وبات يُرتّب عليها ما يترتب عادةً على المخالف في: «المسائل العقدية» في بابي الأسماء والأحكام!.
وإذن، فثمّة: «خلافة/ دولة» هنا، وعلى الضفة الأخرى: «إمامة» هناك، فأين الفرقُ فيما بين المدرستين؟! وأيهما أحق بالأمن الشرعي.
*في سبيل فهم هذه الإشكالية، يمكنكم تنحيت كتابي :«الأحكام السلطانية» لـ:«الماوردي» والآخر لـ: «أبي يعلى» جانباً، ذلك أنّهما-مع ما فيهما من نفع- إلا أنهما قد اشتغلا على التبرير: «لدولةٍ قائمةٍ / ولملكٍ عاضٍ قائمٍ»، وهما بهذا لا يؤصلان مطلقاً لما يجب أن يكون الأمر عليه، بقدر ما قد أخلصا في كتابيهما: «للخليفة» نفعاً وليس للأمة إلا الضّر. فيما ألفينا: «الجويني» في: «غياثه»، لا يستنكف من مهاجمةٍ خشنةٍ يتناول به معاصره: «الماوردي»، ناسفاً بذلك القواعد التي تأسس عليها كتاب هذا الأخير، وطفق: «الجويني» في ثنايا كتابه، يندب حظّ هذه: «الأمة»، إذ بات الخليفة فيها عبئاً يقوّض بناء الأمة، ولا يشد من أسرها، والنتيجة- بحسب الجويني- لا حاجة إذن لبقاء الحليفة، على اعتباره إنما: يجترح ممارسة مزدوجة للسلطة.! وأوشك معها أن يتأله إلا قليلاً.
«ابن تيمية»- وحسب تعريفه لنفسه بكونه: رجل أمة لا رجل دولة -ظلّ يحاول جاهداً، في أن يتوسّط فيما بين مدرستي: «الماوردي» و: «الجويني»، غير أنّه كثيراً ما كان يصطدم بواقعٍ مربكٍ، يضطره فقهاً، إلى أن يتعامل مع: «الخلافة/ الدولة» باعتبارها: «وسيلة»، خاضعة للنظر المصلحي ليس إلا، وهذا ما يجعله دوماً يُغلب وَفق نظره للمآلات: «أخف الضررين». وحقيقة: «ابن تيمية» أنه ما كان بالمرة حفيّاً بالدولة- ومشتقاتها الاصطلاحية – على خلاف ما يشيعه أتباع المدرسة السلفية اليوم.
بعد كل هذا يمكننا أن نسأل: لماذا يتباين الموقف من الخلافة -الدولة وأحكامها- فيما بين: «أهل الحديث» وبين مدرسة: «الفقهاء»؟! وما ثمّ إلا نصوص واحدة.
ذاك قديماً، في حين ألفينا المُحدَثين- زماننا هذا- يعيدون الاختلاف في الموقف مِن: «الدولة/ الخلافة» لا على اعتبار مدرسة: «أهل حديث» أو: «فقهاء»، وإنما وفق تقسيم آخر، وهو: «حركي.. حزبي.. سلفي.. سلطة علمية..»! إنه التأريخ الذي لم نزل بعد نقدسه، وأورثنا وهنا على وهن، منذ غدونا نرسف بأغلاله.
انتهت المساحة ولمّا أنتهي بعد.
في ختم هذه المقالةِ، أود أن تتأملوا لوحدكم: هذا الحديث، إذ الصيد في جوف الفرا:
عن أبي أمامة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لتنقضنّ عُرَى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة» والحديث عند ابن حبان وغيره وهو صحيح.

 

المصدر: الشرق

{jathumbnail off}

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *