18 أكتوبر 2017
الرئيسية > آراء ومواقف > مقالات > هل عرف الإسلام دولة دينية؟؟
د. مصطفى اكن

هل عرف الإسلام دولة دينية؟؟

د. مصطفى اكن
د. مصطفى اكن
صار الحديث عن هذا المفهوم أمرا راهنيا لا يكاد يخلو منه نقاش فكري أو سجال إيديولوجي، وأضحى عنوانا بارزا في المقالات التي تذبج يوميا، خصوصا بعدما قاد الربيع العربي المبارك أحزابا ذات مرجعية إسلامية إلى سدة الحكم بعد طول إقصاء وحصار وتنكيل، لذلك سأحاول المساهمة في هذا النقاش من أجل نفض الغبار عن مفاهيم أصيلة كانت هي السمة الأبرز للدولة الاسلامية في أوج راشديتها ولم تبرحها حتى وهي في أوج ظلاميتها، إنها العناصر الكبرى التي عرفت بها الدولة المدنية ..!!

 

قبل أن أغوص في بسط معالم مدنية الدولة في الإسلام، لابد من التذكير بجزافية هذا المصطلح وعدم دقته بل وإغراضه خصوصا في سياقنا الإسلامي، فالمفاهيم بالنسبة لعلماء الاجتماع التاريخي تفقد حمولتها المعرفية بالانتقال من مكان ولادتها وتغيير الشروط التي أدت إلى ظهورها، فالسياق محدد ثابت في هذه المسألة، وعليه فهذا المفهوم نشأ في الغرب ردا على سياق معين، تميز بانسداد كل أفق سياسي، وارتكاز السلط الثلاث في يد واحدة، هي طبقة الاكليروس الكبار التي تدعي الحكم بتفويض إلهي، فاستحال على المجتمع أن يسترد أمره إليه، أو أن يساهم على الأقل ولو بجزء يسير في تحديد طرائق عيشه، إنما كان محروما من كل هذا، بل وحرم أيضا من حرية الضمير والمعتقد فحورب في فكره، وشق عن صدره لإخراج مكنونه ليحاكم من أجله.. إن مفهوم الدولة المدنية حين ظهر كن جوابا على واقع مزر كان عنوانه الاستبداد في أسوء معانيه وأشكاله، ومن ثم لم تكن المدنية معادية للدين في حد ذاته، وإنما لنتاج استغلال طبقة معينة له لامتلاك رقاب الناس، ومن ثم نشأت العلمانية مقترنة بالدولة المدنية، ولكن دارس التاريخ بتمعن بسيط يدرك أنهما ليستا مقترنتين دائما، فليست كل دولة جعلت إطارها المرجعي علمانيا أو فكرا وضعيا دولة مدنية كما عرفها الدارسون لعلم السياسة، وليست كل دولة تَخِذت لها من الفكرة الدينية مرجعا، دولة دينية أو ثيوقراطية كما تعرف أيضا، وسنأتي إلى هذا التفصيل في عرض المقال.. ووفقا لذلك أرى أن استعمال هذا المصطلح في سياقنا الاسلامي أمر فيه من الاعتساف المنهجي قدر كبير، ولكننا سنتستعمله بشكل إجرائي لأنه صار مصطلحا رائجا، يساعدنا في إيصال الفكرة والحديث بلغة مشتركة..

ما الدولة الدينية أو الثيوقراطية؟
يمكن الاعتماد على ثلاث عناصر هي الأهم من بين أخرى كثيرة لنحدد المعالم الكبرى للدولة الثيوقراطية،  والتي عند حضورها يمكن الحديث فعلا عن دولة دينية بحتة:
1- مشروعية السلطة مستمدة من الله:

إن الحاكم في الدول الدينية يحكم بتفويض إلهي، فتارة تجده ظل الله في الأرض وأخرى تجده ابن الآلهة وثالثة تجده نائبا عن الله في الأرض، وهذه التواصيف تسحب عليه وعلى أقواله وأفعاله صفة القداسة، وتبعا لذلك لا تجوز معارضة قوله أو مخالفة رؤيته فضلا عن الخروج عليه، ومن حدثته نفسه بذلك فهو كافر مارق يهدر دمه ويحتز عنقه..

2- الدولة دولة المؤمنين وليست دولة المواطنين:

ولأن الحاكم يحكم باسم الله، فعلى رعيته أن تكون على دينه، وإلا اعتبرت خارجة عنه كافرة به وجب التخلص منها، ومن ثم تصير الدولة دولة المؤمنين وليست دولة المواطنين التي ترعى حق الاختلاف وتحفظ حرية التفكير، ولا يسمح في الدولة الدينية حتى الاختلاف من داخل الديانة الواحدة، فكيف يسمح لدين آخر أن ينشط داخل حدودها؟..

3- السلط كلها مركزة في يد الحاكم الملهم:

في الدولة الدينية الحاكم هو صاحب الأمر كله، هو من يشرع وهو من ينفذ وهو من يقضي بين الناس، وطبعا لا يمكن أن يخضع للقانون الذي استنه، فهو فوق أن يحاسب إذ هو ظل الله في الأرض، والله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون..

هذه أهم خصيصات الدولة الدينية الثيوقراطية، فلنحاكم إليها الدولة الإسلامية ولننظر إلى أي حد تتجافى أو تتوافق معها؟

الدولة الاسلامية دينية أم مدنية؟

إن المتأمل في تاريخ دولة الاسلام منذ نشأتها الأولى عقب البيعة الثانية يدرك مما لا يدع مجالا للشك أنها مستوفية للشروط المدنية بتعاريفها الحديثة، وأنها سابقة عصرَ الأنوار إلى ما نسب إلى فلاسفته من ديموقراطية ل”روسو” أو فصل السلط ل”منتيتسكيو” وما عدا ذلك من قيم الحرية والعيش المشترك بين طوائف مختلفة عقديا واجتماعيا، وسيادة القانون على الجميع، والمساواة بين الناس جميعا دون مراعاة لجنس أو لون أو عرق إنما هو عمل المرء يرفعه إن ارتفع ويضعه متى ما انحدر.. وحسبي هنا أن آتي بأمثلة محددة من تاريخ دولة الاسلام أناقشها في ظل ما سبق عرضه في الفقرة السابقة من مميزات الدولة الثيوقراطية الرئيسة:

1- مصدرالشرعية

من أول وهلة يتبن أي باحث يجعل الحقيقة غايته، أن التشريع الاسلامي قد جعل الحاكم يستمد شرعيته من الشعب الذب يحكم، ورضى المحكومين بالحاكم قضية لا يتم الأمر إلا بها، وقد كانت الخلافة الراشدة علاوة على سيرها العادل بين الناس، وتمكينهم من حقوق لم يبلغها حتى إنسان ما بعد الاعلان العالمي لحقوق الانسان، كانت تتخذ شرعيتها من الشعب أو الأمة بالمفهوم القديم، حيث كانت تتم البعية عن طواعية ورضى، وهي عقد سياسي واضح المعالم، يعطي بموجبه الشعب صفقة يمينه للخليفة ليصير عليه حاكما يرجع إليه عبر نقبائه وأهل الرأي فيه، طالبا مشورته غير مستبد برأي.. وهكذا كان الخليفة واحدا من الناس يعان إن أصاب ويقوم إن أخطأ، ولم يكن ظل الله أو خليفته في الأرض، يحكم رقاب الناس بالجبر يعلو ولا يعلى عليه، وهكذا نرى أن السقيفة كانت أول برلمان يعين حاكما بعد شورى ذهبت فيها الاراء وجاءت حتى توافقت على أبي بكر فبايع له الناس، وصار خليفة يحكم بإرادة الشعب، ولو بدر منه ما يسوء الناس لعزلوه، كيف لا وهو المؤسس لهذا المنهج في أول خطبة خطبها على الناس.. وعلى نفس الدرب صار باقي الخلفاء الراشدين..

ولعل ألطف ما في هذا الباب كون هذا الأمر أي استمداد الشرعية من الشعب، كان أول من انتهجه هو الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، حين لم يصر رئيسا سياسيا للدولة الوليدة في المدينة المنورة، إلا بعد أن بايع له الناس واختاروه لأنفسهم حاكما عليهم وفق شروط واضحة المعالم بينة المداخل والمخارج حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار:  أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نسائكم وأبنائكم، فأخذ البراء ابن معرور يده، وقال: “نعم والذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا- كناية عن أنفسهم ونسائهم- فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر”.. فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن هنا يملي عليهم واجبات دينية عليهم القيام بها وإلا صاروا كفارا استحقوا العذاب ولكنه تعاقد سياسي بموجبه سيصبح رئيس الدولة وزعيم الأمة، لذلك كان لابد أن تكون الشروط واضحة منذ البدء، وأكثر من ذلك فقد أراد الأنصار أن يستوثقوا لأنفسهم أيضا، فقال الهيثم بن التيهان:” يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا لقاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟” فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال “الدم الدم والهدم الهدم” يقصد بذلك أن المحي محياكم والممات مماتكم..

2- دولة من؟ مؤمنين أم مواطنين؟

إن المتأمل في السيرة النبوية يدرك على الحقيقة كنه تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعده خلفاؤه الراشدون، مع هذا الملف الحساس، فالرسول حين دخل المدينة وأرسى لبنات الدولة الإسلامية لم يجعلها حكرا على الذين اتبعوا دينه الجديد، وإنما كانت دولة جميع من سكنها أو وفد إليها سواء أأقام على الإسلام أم على غيره من الديانات السماوية أو الوثنية المعروفة آنذاك،  وقد توسل إلى ذلك صلى الله عليه وسلم صياغة أول دستور في التاريخ، إليه يرجع في سياسة الدولة الجديدة، وقد كانت وثيقة المدينة معبرة بشكل واضح عن كون اليهود جزء لا يتجزأ من كيان دولة المدينة، يتمتعون بجميع الحقوق على قدم سواء مع المسلمين، مع حفاظهم بحرية المعتقد والشعيرة والدعوة إلى دينهم، وفي هذا الصدد يقول  المستشرق الروماني جيورجيو “حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بندا، كلها من رأي رسول الله. خمسة وعشرون منها خاصة بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون مرتبطة بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُون هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء. وضع هذا الدستور في السنة الأولى للهجرة، أى عام 623م. ولكن في حال مهاجمة المدينة من قبل عدو عليهم أن يتحدوا لمجابهته وطرده”

3- السلط؟ منفصلة أم مجتمعة؟

إن القراءة الواعية لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهي الترجمة الحقيقية لمعاني الإسلام ومقتضياته، وكذا سيرة الخلفاء الراشدين وهي إما سير على أثر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو هي اجتهادات تعبر عن روح الدين الحقيقية، بما عرفوا به من رجاحة العقل وسبق الإيمان والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدمهم عنده.. في أعطاف تلكم السير العطرة وتضاعيفها نجد مفهوم الفصل بين السلط واضحا جدا لكل عين مبصرة، ولب لا يبتغي إلا الدرس العلمي بعيدا عن التحيزات القلبية التي تبحث لها على الهوامش ما يسوغها بدلا عن البحث عن الحقيقة ذاتها، وهكذا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل معاذ ابن جبل إلى اليمن ويأمره أن يقضي بين الناس، موكلا إليه أمر الاجتهاد دون الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يمثل السلطة التنفيذية، وهكذا أعطاه استقلالية في القضاء بين الناس ولكن طبعا لما عرف عليه من علم وعدل، كما نجد أن عمر ابن الخطاب قد تخلى عن صفته السياسية ليمثل أمام القاضي شريح في قضية رفعها ضده العباس ابن عبد المطلب، بعدما هم عمر ابن الخطاب بنزع ملكية العباس لداره الواقعة قرب المسجد النبوي قصد توسيعه، وهكذا يحكم القاضي ضد عمر.. ويرضى وهو أمير المؤمنين !، نفس الشأن انطبق على علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه وهو أمير المؤمنين حين أعزه الدليل في درعه التي سرقها يهودي فلم ينصفه القاضي رغم علمه أن أبا الحسن ليس أهلا للكذب. ولكن ما يفعل القضاء المستقل والدليل غير جاهز.. حتى ولو كان المحكوم ضده أمير المؤمنين.. وقد ثبت أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قد أقام قضاة وأمتعهم بكل الاستقلالية عن الولاة في الأمصار، فقد روى ابن ماجة في سننه
” أن عبادة بن الصامت الأنصاري النقيب صاحب رسول الله (ص) غزا مع معاوية أرض الروم ، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير وكسر الفضة بالدراهم ، فقال : يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا سمعت رسول الله (ص) يقول : لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة ، فقال له معاوية : يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة ، فقال عبادة أحدثك عن رسول الله (ص) وتحدثني عن رأيك ، لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب : ما أقدمك يا أبا الوليد فقص عليه القصة ، وما قال من مساكنته ، فقال : ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك ، فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك ، وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه ، واحمل الناس على ما قال فإنه هو الأمر” وهكذا انتصر عمر ابن الخطاب للقاضي على الوالي وأخرجه من إمرته ليمنحه استقلالية تامة..

أما التشريع فقد كان يرجع فيه إلى فقهاء الصحابة والعلماء الذين كانوا الأقدر على الفتيا بما لهم من علم بكتاب الله وسنة رسوله وضروب القياس واستنباط الأحكام من المصادر التي اتفق المسلمون على كونها أساس شريعتهم من غير أن يكرهوا.. أما أهل الكتاب فقد أوكلت لهم دولة الإسلام التحاكم إلى شرائعهم..

مما سبق يتبين أن الإسلام لم يعرف قط الدولة الدينية كما عرفها علماء السياسة، بل كان تطبيقا نموذجيا للمدنية في أبهى صورها وأنصعها، بل حتى الأوقات العصيبة التي انحط فيها المسلمون وابتعدوا عن روح دينهم لم يصل بهم الأمر إلى ما كان معروفا في الغرب، أن يحكم الحاكم باسم الإله أو أن يكون ظله في الأرض، أو أن يكون لرجل الدين سلطة على الناس، غير سلطة الوعظ والإرشاد والتعليم، أقول لم يحدث هذا في تاريخ الإسلام، وإن حدث شيء منه فليس للدرجة التي تجعله طابعا عاما وسمة واضحة، ولكن عدم تحقيق سياقات الدراسة يجعلنا نطبق نماذج معرفية غربية ذات مولد غربي، في سياق مفارق لا ينتج عنه إلا الفهم المشوش بل المشوه الذي صرنا نراه اليوم ونسمعه، وهو نفسه، بالإضافة إلى إغراض بعض الجهات التي تتبناه، ما يقف خلف الجدل الدائر اليوم حول مفهوم مدنية ودينية الدولة خصوصا بعد الربيع العربي الذي حمل الإسلاميين إلى السلطة.

 

* مصطفى اكن: طبيب داخلي في مستشفى محمد الخامس بمكناس

{jathumbnail off}

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *