18 أغسطس 2017
الرئيسية > حوارات > عزالدين عناية في حوار بشأن علاقة الإسلام بالمسيحية اليوم
د. عزالدين عناية

عزالدين عناية في حوار بشأن علاقة الإسلام بالمسيحية اليوم

الحوار الإسلامي المسيحي هو صناعة غربية، حاضرة الفاتيكان فيه تقود والإسلام يتّبع

د. عزالدين عناية*
د. عزالدين عناية*

- لماذا تفتقر الجامعات العربية والإسلامية إلى تدريس الظواهر الدينية بمنهج علمي؟

لا بد من الإقرار أن في البلاد العربية ثمة مصادَرة للدين من قِبل الدولة، يقابل ذلك استنزاف للفكر الديني في اللّغو. وذلك من الأسباب التي أبقت على استهلاك العرب للدين والتفكّر فيه بمنطق التحريم والتحليل، أكان في مستوى الثقافة العالمة أو في مستوى الوعي الشعبي. حيث بقي أسلوب النظر ذاك يستحوذ على رؤى السواد الأعظم من الناس، حتى عُدّت كل مقاربة مغايرة في عداد المبتدع والمنبوذ.

وضمن ذلك السياق عادة ما تم عرض الأديان الأخرى أو الإشارة إليها في كليات الشريعة، وفق منهج المنافحة عن المعتقَد الذاتي وليس بناءً على الحكم الموضوعي والتقدير العلمي. ولا تبتعد أقسام التاريخ والعلوم الاجتماعية والحضارة عن ذلك التمشّي، لذلك لم نوفّق حتى الراهن في توليد علم اجتماع ديني، أو إناسة دينية، أو ما شابه ذلك، حيث ما فتئنا ندرّس العلوم المستورَدة دون تعريبها الوظيفي ودون نقد جذري لها.

فضلا عن تلك المعوقات ثمة مغالطة أخرى، غالبا ما تُعرض المقاربة العلمية للظواهر الدينية، في البلاد العربية، نقيضا لما يسود من اعتقادات بين عامة الناس، أو على أنها خصيمة للإسلام السياسي، أو بوصفها حليفة للعلْمنة، وهي مقولات وأحكام مغرضة وغير صحيحة. وقد انساقت إلى هذا المسار المقاربة التونسية، التي حاول ترسيخها ورعايتها كل من عبدالمجيد الشرفي والمنصف بن عبدالجليل وهشام جعيّط وآخرين، ذلك أن المقاربة العلمية دراسة موضوعية لا تعادي الدين ولا تجامل أهله.

- لماذا يخشى العقل الإسلامي التبشير؟

يخشى العقل الإسلامي التبشير لأنه عقل منهَك، فلو كان هذا العقل مؤمنا بكينونته وحضوره لما أثارت لديه مسألة التبشير أية كهربة أو ارتباك. فلا ريب أن التبشير أو علم التبشير “Missiology”، كما يسمى بين أهله في الكليات اللاهوتية، له سنداته وأصوله. فهو مبحث يدرّس لطلبة اللاهوت، ويمتح من مشارب عدة، كما يستند فيه الدارس إلى تكوين سوسيولوجي ونفسي وروحي. رغم ذلك ينبغي ألا نهوّل الأمور، فلو كان المضمون الروحي والفكري للتبشير فاعلا ومغريا، كما يُروَّج، لكان أكبر ضحاياه المسلمون المقيمون في الغرب، ولكن وفق متابعتي لظاهرة نكوص المسلمين إلى المسيحية في أوروبا، تبين لي أن التبشير محدود النجاح في أوساط المهاجرين. ولكن رغم كل ذلك، أرى أنه يتوجب على المسلم أن ينفتح معرفيا على الديانات الأخرى حتى لا يصاب بارتجاج بمجرد اتصاله بالمغاير الديني، لأنه غالبا ما تعالج المسألة في الأوساط الإسلامية بدغمائية بائسة وبانطواء مقيت على الذات. ولا بد للفكر الإسلامي أن يخرج من إطاره المغلق إلى أفق رحب عند معالجة هذه المسائل، فلماذا يتطلع المؤمن المسلم إلى الدعوة في الغرب، أو في غير الغرب، في حين يجحد ذلك عن خصمه في دياره، أوليس ذلك من التناقض والإجحاف؟

- واقع تراجع الكنيسة في القارة العجوز أوروبا لم يمنعها من أن تبحث عن تعويض لها بين الشعوب الفاقدة للمناعة.. كيف تنظر إلى هذه المسألة؟

في الغرب هناك تراجع على مستوى أعداد المؤمنين، المنضبطين بالمقول الكنسي، وكذلك على مستوى أعداد رجال الدين، وخصوصا في سلك الراهبات. ولكن على مستوى سلطة الكنيسة كلاّ، فقد غيرت تلك المؤسسة من أساليب قبضتها على المجتمع واختلقت وسائط علمانية (جمعيات وكليات وصحفا وأحزابا وصناعة سينمائية…) باتت هي الذراع الفاعلة للكنيسة داخل تلك المجتمعات.

فقد يتبدى للناظر أول وهلة أن المجتمعات الغربية تراجع فيها الدين، ولكن في الحقيقة أن التدين قد تغيّر شكله ونمطه. إذ يستحي الشباب، في الغرب، من إظهار انتماءاتهم المسيحية، وغالبا ما يصرحون بأنهم غنوصيون أو غير مبالين بتعاليم المسيحية، ولكن هذا لا يعني أنهم تملصوا من الدين. فقد بات الناس يصنعون إيمانهم بأنفسهم ولا يقبلون الوصاية في هذا المجال. غدا الاعتقاد الديني مزيجا في ذهن الفرد ومشكَّلا وفق الرغبة والحاجة والذرائعية. وقد أفاضت عالمة الاجتماع الفرنسية دانيالي هرفيي ليجي في شرح الأمر في كثير من مؤلفاتها. لذلك بات المرء يتطلع إلى التجارب الروحية الشرقية الأخرى، وكثير من المهتدين إلى دين الإسلام في الغرب قد وقعوا في سحر التصوف الإسلامي، وخصوصا من بوابة ابن عربي.

أما بشأن مسعى الكنيسة الغربية لأنجلة الشعوب الفاقدة المناعة فهو واقع يثبته التقرير العالمي للكنيسة الكاثوليكية، فدول ما وراء الصحراء في إفريقيا كانت في ما مضى تكتب بالحرف العربي أما اليوم فقد هجرت الخط العربي، وهي في طريقها إلى هجران دينها الإسلامي نحو الكاثوليكية.

- دعوت في كتابك “نحن والمسيحية” جامعات المنطقة المغاربية إلى الاهتمام برموز تاريخها وألا توكل ذلك لغيرها ليصوغوا لها الخلاصة التي يريدون.. كيف تتجلى لك أهمية ذلك؟

أستحي أحيانا حين أرى عدد الكتب الصادرة في إيطاليا عن تاريخ شمال إفريقيا وماضيها الديني والأسطوري يفوق ما ينشر في تونس والجزائر والمغرب مجتمعة. فلو أخذنا القديس أوغسطين مثالا، لا نستطيع أن نعدد الأنشطة العلمية والجمعيات والأبحاث والنوادي والمراكز التي تستلهم سيرة هذا العلم، في الغرب، في حين لم نوله نحن أية عناية، رغم أنه ابن سوق أهراس، المدينة الحدودية الواقعة بين تونس والجزائر.

المنطقة المغاربية لديها تراث ديني ثري ملّكت به آخرين، إذ أرى المغاربي وكأنه تخفف من حمل يثقله في تعامله مع تراثه القديم. ففي السنوات الأولى مع التحاقي بالجامعة الغريغورية في روما، كنت أخشى مما أجده في أنفس رجال الدين وأساتذة اللاهوت من التحسر على فقدان منطقة شمال إفريقيا التي تحولت نحو الإسلام وهجرت المسيحية.

لقد أوْلت الكنيسة في الغرب، خصوصا مع الآباء البيض، اهتمامات كبيرة للتاريخ السابق للإسلام في بلاد المغرب، وقد بلغت في ذلك شوطا معتبرا. ولكن إشكالية ذلك الانشغال أنه جاء ملحَقا بالحضارة الغربية، سواء في وجهها القديم أو الحديث، وهو ما خلّف لنا شرخا في الوعي بهويتنا المغاربية في الراهن، حتى خُيّل للكثير أن حضارات المنطقة القديمة: النوميدية واللوبية والبونية والقرطاجية، لا صلة لها بالتراث العربي القديم، وهي مغالطات ما فتئت مؤثرة لدينا اليوم.

- ذهبت إلى أن من الجوانب المغيّبة في المغرب العربي جانب دراسة طبقات التراث الديني والتعامل معها بروح واعية.. لو تعمّق القول في هذه المسألة؟

عموما ساد في بلاد المغرب تنكر لتاريخنا السابق للإسلام، وهذا الإهمال جرى بفعل عوامل سوسيولوجية ونفسية عميقة مرت بها الشخصية المغاربية. من هذا الباب كان إهمالنا للغة الأمازيغية، التي باتت في عداد اللغة المدنّسة أمام اللغة العربية المقدّسة، وإسقاطنا لتراث المنطقة الطوطمي والإحيائي والمسيحي والمانوي على حد سواء، وحتى اليهودي منه حاولنا حصره في طائفة يهودية، رغم أن تلك الديانة كانت ديانة شعبية وشائعة.

لا بد في مغربنا الكبير من تجاوز نعرة الأمازيغي/العربي إن أردنا النهوض فعلا، لأن المنطقة ذات تراث سامي بالأساس، وشعوبها جزْرية، وافدة من الجزيرة، أكان مع قدماء الأمازيغ أو مع العرب الوافدين مع الإسلام في فترة أحدث.

والحقيقة أن الإسلام المغاربي، سواء في مسار تجذره أو في خصوصيته، لن يتيسر إدراك جوهره وحركيته إلا بالعودة إلى صلته بالميراث الديني السالف. لقد كان الصدّ الأمازيغي للإسلام، مع موجات الفتح الأولى، عائدا إلى أن المنطقة كانت عامرة بتراث ديني إبراهيمي وفارسي ثري. وما كانت إعادة صياغة البنية الدينية أمرا بسيطا وهينا، بعد أن استتبت الأمور لديانات صيغ لاهوتها بشكل مركب على مدى قرون، وانبنت اعتقاداتها على طروحات فلسفية متينة.

- ربطت في كتابك “نحن والمسيحية” بين الخطاب الواعي للإسلام مع العالم المسيحي والإلمام بهذه الديانة.. لو تتوسع في تحليل هذا الارتباط؟

نحن نخاتل أنفسنا إن زعمنا الحوار مع المسيحية، والحال أننا لا نلمّ باللاهوت المسيحي، ولا نفقه التاريخ الديني الغربي، ولا نعي المكون الحضاري المسيحي في البلاد العربية، ولا نعي حاضر المسيحية اليوم. أذكر حين كنت طالبا في الجامعة الزيتونية في تونس أن مدرّس مادة تاريخ الأديان قرأ لنا الآية الإنجيلية: “لا يعيش الإنسان بالخبز وحده بل بكلمة من فم الرب” خطأً، حيث استبدل “بالخبز وحده” بـ”بالخبر وحده”، ثم استدرك قائلا: بل “بالحبر وحده”. بيد أني صححت له: يا أستاذ الصواب “بالخبز وحده”، فقال: يبدو أن الأمر على تلك الشاكلة!!

عودة إلى السؤال أقول إن أردنا أن نفهم الغرب يتوجب الإلمام بدور الدين فيه، وبأثر التراث الديني في الاجتماع الغربي وفي سياسة الغرب. فغالبا ما تم إسقاط هذا الجانب في التعامل مع الغرب وهو مركزي ومحوري في فهمه.

- ينطوي موقف الكنيسة الغربية على مفارقة صارخة في التعامل مع الإسلام: التعالي الحضاري القائم على نزعة بطريركية وعنف رمزي ظاهر وخفيّ.. من ناحية.. والخوف من حيويته الناتج عن إدراكها لمواطن قوّته وتجدّده.. كيف ترى ذلك؟

الكنيسة الغربية محكومة بتوتّر قهْري في تعاملها مع الإسلام والمسلمين، فلو كانت هناك وحدة إبراهيمية جامعة مراعاة، كما يزعمون، لما ارتضت الكنيسة شيطنة المسلم ولما أججت الإسلاموفوبيا في الإعلام وعلى المنابر السياسية.

وحتى يعود للمسيحية السمحة وجهها النقي فإن الكنيسة الغربية أمام اختبار خُلقي عسير مع المهاجرين المسلمين المستضعفين، المقيمين في ديارها وبين أهاليها.

- تحدّثت في كتابك “نحن والمسيحيّة” عن افتقاد الثقافة العربية الراهنة لعلم كنسيّ أو علم مسيحيات وقراءة مستجدّة للمسيحية ضمن تحوّلات التاريخ الحديث .. لو تبيّن وجه الحاجة إلى ذلك؟.

غالبا ما يُشكَّل وعي الطالب المسلم بالمسيحية استنادا إلى أدب الردود الإسلامية، ليليها تعريج على دور الكنيسة في القرون الوسطى، التي تتجلى أبرز صورها لديه في صكوك الغفران، ثم إطلالة على التبشير والاستشراق. ولكن المسيحية أعمق وأثرى من ذلك بكثير، فلو أخذنا الراهن المسيحي اليوم لتبين لنا أن الأدوات المعرفية التي بحوزة المسلم لا تريه من المسيحية إلا ما وعاه متلمّسو الفيل في الظلمة، رغم ذلك تصرّ الجامعات الإسلامية على مناهجها العتيقة وأساليبها البالية وكأنه لا يعنيها من تحولات العالم شيئا.

- ما الذي تعنيه لديك هذه الأسماء : ابن ربن الطبري –  السموأل بن يحي المغربي – أبو الريحان البيروني – النوبختي – ابن حزم ..؟

مدرسة النقد التوراتي في الغرب مدينة لهؤلاء العلماء ولآخرين كثيرين من مدرسة الردود الإسلامية، أمثال إسرائيل بن شموئيل الأورشليمي صاحب “الرسالة السبعية بإبطال الديانة اليهودية”، وابن تيمية صاحب مؤلف “الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح”، وابن قيم الجوزية صاحب “هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى”، وشهاب الدّين القرافي صاحب “الأجوبة الفاخرة”، وأبو الحسن محمّد بن يوسف العامري صاحب “الإعلام بمناقب الإسلام”.

- إذا كان البعض يشك في تأثير الأسلمة على العقول والأفهام.. يكفي أن نقارن كيف كان الشعب البربري والشعوب التي تسكن شمال إفريقيا عموما قبل أن يغزوهم الإسلام وكيف صاروا بعد أن غزاهم.. كل الآباء اللاتين تقريبا كانوا أفارقة.. ترتليانوس القرطاجي، النوميدي آرنوب دوسيكا وتلميذه لاكتنس، القديس سبريان القرطاجي، فيكتور الإفريقي، القديس أوغسطين البربري.. باختصار جميع رؤوس أعمدة الآبائية اللاتينية المجيدة تلك.. كم من الهبات المشرقة الجليلة قدّمتها إفريقيا لكنيسة روما في الوقت الذي لم يكن لدى هذه الأخيرة من تضعه في الميزان غير القديس أمبرواز والقديس جيروم !” إيتيان جيلسن .. تعليقك على هذه المقولة؟.

كافة الأقوام مبدعة، ولكن كل على طريقته، وكل له لحظته التاريخية الإبداعية، ومن السفه أن نعلي من شأن شعب ونحقّر من غيره. وقد أبدعت شعوب الشمال الإفريقي قبل الإسلام في الشأن الديني المسيحي، وذلك عائد بالأساس لأنها شعوب جزْرية وجدت في المسيحية ديانة ثورية في مقابل تسلّط روما وقهرها. لقد كانت الكنيسة الأريوسية الموحدة رد فعل على التثليث المدعوم من الإمبراطور قسطنطين، وبالمثل جاءت الكنيسة الدوناتية لإعادة أصالة الكلمة المسيحية، غير أن سلطان روما القاهر غلبها وفتك بها.

- كيف يعلّل الغربيون ذوبان المسيحية بعد هذا المجد واضمحلالها في الغرب الإسلامي؟.

أنا لا أقول أن المسيحية ذابت واضمحلت بل تحولت وانصهرت في الإسلام. ولولا تمهيد الديانات التوحيدية السابقة لتعذر على الإسلام المغاربي إنتاج حضارة امتدت إلى كافة جنوب أوروبا تقريبا. فليس الإسلام فصلا مع ما سبق، بل هو امتداد واستيعاب وأسلمة. لقد تميزت المسيحية في الشمال الإفريقي بخاصيتين أساسييتن: أنها مسيحية مستبطنة لرفض قرارات مجمع نيقية 325م، ونعني بذلك أنها مسيحية أريوسية أقرت بأقنوم الرب دون سواه؛ وكذلك هي مسيحية مختزنة للثورة ضد روما وقد رفع لواء ذلك الدوناتيون. ولذلك كان الإسلام استيعابا واحتضانا للمسيحية الأصيلة في المنطقة وليس تناقضا معها.

ولكن الرواية الكنسية الغربية لها قراءتها المغايرة عن تواري المسيحية من بلاد المغرب، تتلخص في التفسير الكلاسيكي المعهود أن المسيحية انقرضت بحدّ السيف، ولو كان ذلك صادقا لألحق باليهودية ضررا أيضا.

- ذكرت في كتابك “نحن والمسيحية” أن أحد مسببات أزمة الحوار الجوهرية بين المسيحية الغربية والإسلام تعود بالأساس إلى خطاب الغرب المنفلت والمتنكر للأخلاقيات الكونية.. لو تعمّق القول في هذا المعنى؟.

المسلمون في إيطاليا وفي عاصمة الكاثوليكية العالمية ليسوا بالقلة، فالإسلام هو الدين الثاني بعد الكاثوليكية، وعدد أتباعه قد بلغ زهاء المليونين، مع ذلك ليست لهم حرية بناء دُور لأداء شعائرهم. فعلى كل التراب الإيطالي لا يتمتع سوى مسجدي روما وميلانو بترخيص قانوني، وباقي المصليات الأخرى هي غير معترف بها، وكذلك يمنع منعا باتا رفع الآذان، مع ذلك يروّج أن الغرب منفتح ويسمح بالحرية الدينية وديمقراطي.

لذلك أرى أن الخطاب الكنسي الرسمي فيه الكثير من الازدواجية والحسابات السياسية، ويصعب أن نعثر في مقول الفاتيكان على تحرر من الشروط الغربية العامة. وربما المسيحية، التي لا تربطها بالكنيسة الكاثوليكية رابطة ولاء، من أكثر المتضررين من الاهتزاز الخلقي للكنيسة الغربية، فليرصد المرء مدى حضور المسيحي المصري القبطي الشرقي في الخطاب الفاتيكاني؟ يبدو غائبا، ولكن الكنائس العربية الأخرى التي دخلت تحت عباءة الكاثوليكية وتنكرت للاهوتها الشرقي حاضرة في الفاتيكان وتجد التضامن والحظوة.

- لو طلبنا منك قائمة في عناوين الكتب التي لا غنى لطالب وباحث علم الأديان وحوارها عنها وخاصة تلك التي أثرت في تكوينك ونظرتك.. فما هي العناوين التي تقترحها؟

عموما لا بد على الباحث في علم الأديان أن يكون على اطلاع على الفكر النقدي الإغريقي، وعلى التراث الديني العربي السابق للإسلام، فضلا عن كتب الجدل الإسلامي، مع اطلاع على المقاربات الحديثة للظواهر الدينية، سواء السوسيولوجية أو الأنثربولوجية أو الأسطورية أو الظواهرية.

ولكن أعتبر كتاب عالم الإناسة الفرنسي ميشال مسلان “علم الأديان”، الذي قمت بترجمته إلى العربية ونشر في المركز الثقافي العربي في بيروت، من أفضل الكتب في رسم مسارات علم الأديان، فهو كتاب عميق وشامل يجمع بين القديم والحديث في الإلمام والدراسة للظواهر الدينية، ولذلك تعمدت إهداء ترجمته إلى الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر.

وبالمثل أرى في الفضاء الإيطالي أفضل كتاب في علم الاجتماع الديني هو المؤلف المشترك لعالمي الاجتماع إنزو باتشي وسابينو أكْوافيفا “علم الاجتماع الديني: الإشكالات والسياقات”، وقد قمت بترجمته إلى العربية ونشر في أبوظبي بالإمارات العربية.

- بحكم إقامتك في روما حيث حاضرة الفاتيكان (لأن حاضرة الفاتيكان عبارة عن حي في روما لا يقيم فيه إلا رجال الكنيسة) وقربك من المنابع والخفايا والكواليس.. كيف ترى مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي ومدى جدّية القائمين على الكنيسة الغربية ورموزها في التقدّم به؟

الحوار الإسلامي المسيحي هو صناعة غربية واستراتيجيا غربية، وفي هذا الأوركسترا حاضرة الفاتيكان تقود والإسلام يتّبع. فنحن دُعينا إلى حوار الأديان ولم نَدْعو له، ولذلك نفتقر حد الراهن إلى فلسفة للحوار واستراتيجيا وأهداف.

فالعرب لم ينجذبوا إلى حوار الأديان لغرض معرفي أو علمي، أو مقصد إنساني، بل لغرض ريائي، لتضفي الحكومات على أنفسها طابع الانفتاح والحرية والتقدمية، وهي على غير ذلك.

- أعلنت المستشارة أنجلا ماركل في ألمانيا فشل التعدّدية الثقافية “Multiculturalisme” كلمة يختفي تحتها بشكل سيء كفاية الحضور الهام لطائفة تركية مسلمة.. في كل مكان يكهرب الإسلام الحقل السياسي” جون بيار دونيس ولورون غريلسامر/أطلس الأديان الصادر عن لوموند 2011 .. لماذا هذا السعي إلى تشويه الإسلام والتركيز على الإسلام العنيف المجدّف ضد التيار وغير المنسجم مع مجتمعه؟.

ثمة أوهام كبيرة في الشرق عن الغرب بشأن الحرية الدينية والتسامح الديني، فأنا أعيش في الغرب، فيه درست وفيه أدرّس في جامعاته، وفيه ولد أبنائي وتربوا، رغم ذلك نحن لا نجهر بهويتنا الدينية الإسلامية، لا في الشارع ولا رفقة أصدقائنا الإيطاليين، ونتحاشى الحديث عن مراعاة الشعائر الإسلامية أكانت صلاة أو صياما. ذلك أن المرء لو باح بحفاظه على الشعائر فإنه يعدّ في المخيال الاجتماعي ممن خاب المسعى في اندماجه. فكلما جهر المرء المسلم بهويته الدينية إلا وعمّق العزلة حول ذاته من المجتمع.

سأذكر قصة بسيطة في السياق، لي صديق قبطي مصري له محل لبيع أكلة البيزا في روما، رغم أنه يتعمد إظهار الصليب بشكل بارز في رقبته، اضطرّ إلى تغيير اسمه من “عادل” إلى “فرانشيسكو” بحثا عن اندماج وهمي، وما راعه يوما إلا أن كتبوا ليلا على باب متجره “أهلا بـ علي بابا بيْننا”، ولذلك أقول أحيانا ليس الأجنبي من لا يريد الاندماج ولكن الغربي هو من لا يريد الانفتاح والاحتضان.

- ما هي الإضافة المنهجية التي استفدتها من متابعة دراستك في مجال تخصصك في الجامعات الإيطالية؟

لقد أفادتني دراستي في الجامعات الإيطالية في الإلمام العلمي بالمسيحية، إذ المدرسة الإيطالية في تناول الظواهر الدينية مدرسة ثرية، فيها مقاربتان حاضرتان في الحقل العلمي: المقاربة اللاهوتية الكنسية والمقاربة غير الكنسية وعادة ما أفرزت المقاربتان نقاشا ثريا في الأطروحات والأفكار. ولكن سكني وعيشي، حين كنت طالبا وباحثا، في دير للرهبان في روما، ومعايشتي لكثير من رجال الدين المسيحيين من شتى أصقاع العالم، ناهيك عن إقامتي لاحقا بشكل دائم في مجتمع كاثوليكي كان بالغ الإفادة لي أيضا. فأن تجلس في مقهى وتعبر أمامك حافلات النقل مكتوبا عليها “روما مدينة مسيحية” بخط عريض لافت، فإن ذلك تراه في الشارع وليس في مكتبات الكليات، فتقارن إمكانية إتيان ذلك في بغداد أو تونس هل هو متيسر؟ أو وأنت ترقب الناس وهم يعبرون أمام الكنائس فترتفع الأيادي برسم علامة الصليب، ترى ذلك في الشارع وليس في المكتبات.

ولكن الإضافة الحقيقية التي حصلت لي ألا وهو اليقين الثابت بأن الجامعة العربية تسير بدون منهج وبدون مخطط، بعد أن تحوّلت للأسف إلى مفرزة للمحبَطين والعاطلين، وليس أساتذتها أفضل حالا من طلبتها، فقد فرطوا في البحث العلمي وغرّتهم أشياء كثيرة، وتلك هي الكارثة. سأضرب مثلا في الشأن كنا خمسة أنفار، وبدعم من “مشروع كلمة” في أبوظبي، عقدنا العزم على النهوض بالترجمة من الإيطالية إلى العربية ترجمنا ثلاثين عملا في أقل من سنتين، وهو عشر العدد الجملي الذي ترجمه العرب طيلة تاريخهم من اللغة الإيطالية.

- كيف يبدو لك تأثير أزمة المعنى التي تعيشها المسيحية في أزمة حوار الكنيسة مع الإسلام؟

الحوار المسيحي الإسلامي الذي توجّهه الكنيسة فيه الكثير من العلل، وهو إجمالا حوار عصابي لم يتحرر من إرث الدهور. لذا أرتئي أن حوار الإسلام ينبغي أن يكون مع الأطراف الاجتماعية والسياسية والفكرية الفاعلة في الغرب، وخصوصا منها التكتلات العلمانية وأطياف اللادينيين وكذلك مع مراكز الأبحاث وتجمعات المثقفين. ذلك أن الإسلام دين مدني بالأساس، ومن الهدر للوقت التواصل في التعويل على الحوار مع الكنيسة وقد هجرها الناس. ما لم يع الفكر الإسلامي هذه النقطة فإن حواره مع الأطراف الدينية الكنسية تحديدا سيبقى محدود النتائج، وسيبقى يلاقي عقبات جمة. الفكر الإسلامي ينبغي أن يبادر بالحوار ويخرج من الضيق الذي حُصر فيه إن كان يريد حوارا دينيا وحضاريا فاعلا مع الغرب.

- ماذا عن كتابك الجديد الصادر عن دار الطليعة تحت عنوان “العقل الإسلامي عوائق التحرّر وتحدّيات الانبعاث”؟

ما يميّز العقل الإسلامي في مفهومه النّظري وتجلّيه العملي عبر تاريخه الحديث، غياب فعله الحضاري، برغم ما يُشبَّه بخلاف ذلك، إذ تبدو حالة اللاّفعل تلك نتاجا طبيعيا لنمط الاشتغال الذي يحكم سيره. فعلى مدى تاريخ حافل، استصنع العقل الإسلامي أوثانه، التي باتت قيوده، بعد أن أرهقه اللامعقول وكسر بوصلتَه. ولكنّ قدر هذا العقل أن يُخلِّق من رحِم ورطته خلاصَه، ذلك أن مصيره أن يُجابه من داخل حرمه تحدّياته، ويصحّح انحرافاته، ويذهب بعيدا باتجاه إعادة صقل مفاهيمه.

وداخل ذلك القلق الذي يشوب التكتّل الحضاري الإسلامي، يواجه الكيان الإسلامي تحدّيات عقل يهيمن كونيا، يفعل ويؤثّر في تجمّعات أخرى أكثر مما تفعل فيه، ألا وهو العقل الغربي. لذلك يأتي التوليد الحضاري متابَعا ومنفعِلا بالعقل المهيمن كونيا. فلا يجري التأسيس وفق خيارات الذّات الحرّة المستقلّة، بل يحتكم لشروط ومقتضيات ما يولّده مسار التدافع الكوني من تصارع أيضا.

ففي ظلّ بحث العالم الإسلامي القلق عن نهضته الغائبة، يبرز التعاطي العقلاني مع المسائل، أيسر السبل وأوكدها لرسم معالم تلك النهضة الغائبة، ولرفع التحديات التي تحول دون بلوغ ذلك المنشود.

أجرى الحوار الشاعر والكاتب محسن العوني

* د. عزالدين عناية

أستاذ تونسي يدرس بجامعة روما في إيطاليا. أشرف على رسائل تخرّج عشرات الطلاب الإيطاليين في شؤون العالم العربي. أصدر مجموعة من الأبحاث العلمية والترجمات منها: العقل الإسلامي، 2011؛ نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم، 2010؛ الاستهواد العربي، 2006؛ الفكر المسيحي المعاصر، سورية 2013؛ السوق الدينية في الغرب، سورية 2012؛ علم الاجتماع الديني، 2011؛ مدخل إلى التاريخ الإغريقي، 2011؛ الإسلام في أوروبا، 2010؛ الإسلام الإيطالي، 2010؛ علم الأديان، 2009.

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *