25 سبتمبر 2017
الرئيسية > رمضانيات > الدروس الحسنية > الدرس الحسني 2: واجب المسلمين في إسداء الخير للعالمين

الدرس الحسني 2: واجب المسلمين في إسداء الخير للعالمين

ألقى الأستاذ عمر الفاروق عبد الله، باحث أمريكي وأستاذ سابق في جامعة ميشيغان، يوم الإثنين 07 رمضان 1437(13 يونيو 2016) بين يدي أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعز الله أمره، الدرس الثاني من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 2016/1437 متناولا بالدرس والتحليل موضوع “واجب المسلمين في إسداء الخير للعالمين” انطلاقا من قوله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس” وفيما يلي نص الدرس الذي ألقاه الأستاذ عمر الفاروق عبد الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد

وعلى آله وصحابته الطيبين الأكرمين

مولاي أمير المؤمنين

صاحب الجلالة الملك محمد السادس

أعز الله أمركم، وأعلى في الصالحات ذكركم

أتشرف بإلقاء هذا الحديث بين يديكم الكريمتين، وأنتم سليل الدوحة النبوية الشريفة، وأنتم ملك المغرب، البلد المعروف في العالم، بأنه تربة الصالحين والأولياء، وإن هؤلاء الأولياء، أمواتهم وأحياؤهم، يحفظون، بإذن الله، هذه المملكة في الخفاء، كما تحفظونها أنتم في العلانية والجلاء، بما تسهرون عليه من حفظ دينها، وأمنها واستقرارها، وتوفير أسباب العيش الكريم لأبنائها. تقبل الله منكم وجازاكم على ذلك أعظم الجزاء.

قال الله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ (آل عمران، الآية 110)، وكلمة (الناس) في هذه الآية عامة، فهي تفيد جميع الناس على مختلف أشكالهم وأنواعهم وأحوالهم: المؤمن وغير المؤمن، المطيع وغير المطيع. وفسر الإمام البخاري مفهوم (الناس) في هذه الآية بهذا العموم، فقال: “خير الناس للناس”. وجاء مثل ذلك عن كثير من علماء السلف والخلف: أي أن أمة الإسلام ينبغي أن تكون خير الناس وأنفعهم وأرحمهم لجميع الناس.

وليست خيريةُ هذه الأمة مَفْخَرَةً نباهي بها غَيرنا ونتكبر بها عليهم، وإنما هذه الخيرية أمانة كبرى ومسئولية ثقيلة، فالدنيا دار الخدمة، والآخرة دار الأجرة. وكانت هذه الخدمة العامة غيرُ المقيَّدة دأبَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل النبوة، وعند النبوة، وبعدها. قالت له أمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها في بداية الوحي: “والله، إنك لَتَصِلُ الرَّحِم وتَصدُق الحديث وتَحْمِلُ الكّلَّ (أي إنك تتحمل كل ثقيل في خدمة الغير) وتَكْسِبُ المعدوم (أي إنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندك وتُوصله إليهم وتعين الفقير على الكسب) وتَقري الضيفَ وتُعين على نوائب الحق.

ومن آخر ما نزل من الوحي وداعاً لرسول الله، صلى الله عليه وسلم وتعظيما لشأنه، ما جاء في خواتيم سورة التوبة: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ (التوبة، 128). والخطاب عام في قوله تعالى: (لقد جاءكم)، وقوله: (عنتّم) وقوله: (حريص عليكم)، بدليل التخصيص والاستثناء المفهومَيْن من قوله تعالى بعد ذلك: (بالمؤمنين رءوف رحيم). فأفادت الآيةُ أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أراد الخير لجميع الذين بُعث إليهم، السعيد منهم والشقي، المطيع منهم والعاصي، المقبل عليه بالصدق والمعرض عنه بالكذب. فعزَّ عليه عَنَتُ الجميع وليس المفلحَ فقط، وكان حريصا عليهم جميعا مع خصوص الرأفة والرحمة بالمؤمنين منهم.

وقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعلُ لهم الرحمن وداً﴾ (مريم، 96)، ومن تفسير ذلك أن الله تعالى يضع محبةً خاصةً في قلوب المؤمنين الصادقين الصالحين، وهذه المحبة تدل على صدق إيمانهم وإخلاصهم في العمل. وهي المحبة التي أشار إليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حيث قال: “لا يؤمن أحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” (البخاري ومسلم)، وكلمة الأخ في “لأخيه” في الحديث بمعنى الأخ في الإنسانية من بني آدم عموما وليس الأخ في دين الإسلام فقط، وجاء ذلك في شروح كثيرة. وصرح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذلك المفهوم العام في رواية أخرى بسَنَد جيد: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب للناس ما يحب لنفسه”، وليست هذه المحبة مجرد الشعور بالتلطف في القلب نحو المحبوب، وإنما هي إرادة جلب المنافع له ودفع المفاسد عنه والسعي في سبيل ذلك. وعلى أساس ذلك عرف سلطان الأولياء وشيخ الإسلام الشيخ عبد القادر الجيلاني مبدأ الإحسان في هذا الدين بأنه: “الصدق مع الحق وحسن الخُلُق مع الخلق”.

وقال بعض الصالحين: “من أحب الله وأحب لله فقد تمت له ولايته”، ومن علامة هذه المحبة الرحمانية أيضاً أنك تحب من أحسن إليك ومن لم يحسن إليك. وهذه المحبة من أجل مقامات اليقين.

وقال الله تعالى في شأن نبيه الكريم، صلى الله عليه وسلم: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، (الأنبياء، الآية: 107)، وتنكير كلمة (رحمة) في الآية يفيد أن الرحمة التي بُعث بها النبي صلى الله عليه وسلم رحمة غير معهودة، فهي فوق كل وصف.

فبُعث صلى الله عليه وسلم، برحمة عظيمة جداً مشتملةٍ على جميع وجوه الرحمة الإلهية كي يكون الرسول رحمة لجميع الناس والخلق في كل مكان وزمان. وكلمة (العالمين) عامة تعم كل ما يصدق عليه اسم (العالم). فهي تفيد جميع الناس وجميع الخلق. فالآية لم تَخُصَّ عالمَاً من دون عالَم، فلم يقل سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للمؤمنين خاصة)، فَشَملت هذه الرحمة النبوية العظيمة غيرُ المعهودةِ المؤمنَ وغير المؤمن، والموحّد وغير الموحّد، والمطيع وغير المطيع. بل شملت كلمة (العالمين) الجماداتِ والنباتاتِ والحيواناتِ وجميع الكون. ومن مفهوم هذه الآية أن واجب الأمة أن تتخلق بخلق نبيها صلى الله عليه وسلم، وتتبعه فتكون هي الأخرى رحمة للعالمين، تجلب المصالح لجميع الناس ولجميع الخلق وتدرأ المفاسد عنهم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا رحمةٌ مُهداة”.

فزين الله نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بالرحمة في جميع أقواله وأفعاله وشمائله. ومن ذلك أنه لم يكن سبّاباً ولا لعّاناً. جاء في صحيح مسلم أنه (قيل: يا رسولَ الله، ادع على المشركين. قال: إني لم أُبعَث لعَّاناً وإنما بُعثت رحمةً). وينبغي أن تكون أمته رحمة لجميع الناس أيضاً فلا ينبغي أن نتعهد السب واللعن والدعاء على الناس. بل من الرحمة الإلهية أن ندعو حتى لأعدائنا بالتوبة والهداية والصلاح. بل هو من الحكمة أيضاً، فإننا كما قال بعض العلماء عندما ندعوا على من عادانا وأساء إلينا فكأننا بذلك نطلب من الله تعالى أن يزيدهم شرا وعدواناً وطغياناً وإساءة إلينا. ولعل بعض الكوارث التي نزلت بنا اليوم هي بسبب ما تعاوده بعض المسلمين من الدعاء على كل من عادانا ولا سيما بالمكبرات في المناسبات الدينية. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “يا عائشةُ، إن اللهَ رفيقٌ يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العُنفِ وما لا يعطي على سواه”.

وقال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ (البقرة، 2، الآية: 142). ومعنى ذلك أن أفراد هذه الأمة ينبغي أن يكونوا خياراً وعدولاً كما كان الصحابة الكرام، رضي الله عنهم، والسلف الصالح خيارَ الناس وغايةً في العدالة، و(الوسط) من الناس في كلام العرب هو الفاضل صاحب الخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي الإفراط والتفريط. ولذلك قيل: (خير الأمور أوساطها). ووُصف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، بأنه كان وسَطاً في قومه، أي أنه كان خيارَهم خَلْقاً وخُلُقاً، نَسَباً وحَسَباً، ومن كل وجه، فهذه الآية تفيد مثل ما أفاده قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾.

ومن معاني قوله تعالى في الآية: (لتكونوا شهداء على الناس)، أي لتكونوا قوامين للناس بالقسط بتنبيه الغافلين منهم إلى صدق التوجه إلى الله وإلى الحق وإلى الخير. (ويكون الرسول عليكم شهيداً) أي حفيظاً لكم بإرشاده وحسن سيرته، صلى الله عليه وسلم، عن طُرُق الإفراط والتفريط.

وقيل إن معنى قوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس)، ليحفظ الله بكم جميع الأمم. فواجب المسلمين في الحفاظ على جميع الناس وإسداء الخير للعالمين بمثابة مقام القرآن الكريم في الهيمنة على الكتب السماوية السابقة والرسائل النبوية السالفة: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه…..﴾ (المائدة، 5، الآية: 48). فينبغي أن يكون المسلم هو الحل وليس المشكلة. وبانحطاط المسلمين تخسر الدنيا بأسرها خسارة عظيمة.

ومن معاني هذه الآيات وغيرها من الأدلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَهَّل أمتَه لتكون رحمة للعالمين وأمة وسطاً وخيرَ أمة أخرجت للناس. فقد هدانا لكل ما نحتاج إليه لنقوم بهذه الأمانة. فباتباع هَديه والتخلق بخلُقه أصبحنا خير الناس لجميع الناس، وقال البوصيري:

لما دعا اللهُ داعينا لطاعتهِ بأكرم الرسْل كنا أكرم الأمم

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بسيرته الحكيمة وسنته الكريمة الحل لكل مشكلة، وأمثلة ذلك كثيرة جداً. منها أن المؤمنين من بني أوس والخزرج، رضي الله عنهم، دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة وهم يطلبون حلاًّ للحرب الأهلية التي قامت أجيالاً بينهم وبين حلفائهم من اليهود حتى بلغت أقصى شدتها بحرب البُعاث. وحقَّقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعجزة السياسية بعد قدومه إلى المدينة بوضع الدستور المشهور بينهم المعروف بالصحيفة والميثاق، وتتابعت معجزات سيرته الحكيمة، صلى الله عليه وسلم، حتى تم ذلك في آخر أيامه بتوحيد القبائل العربية لأول مرة في التاريخ ووضع أسس الخلافة الراشدة.

وأدت الحضارة الإسلامية دور الإصلاح وتقديم الخير لجميع الناس في أجل عصورها وربما جاءت بحلول عجيبة لمعضلات المجتمعات التي لم يقدر على حلها غير المسلمين. وكانت هذه الحلول من أهم أسباب انتشار الدعوة وقبول الناس للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. نذكر من أمثال ذلك إلغاء نظام الإقطاعية في الأندلس وصقلية وجزر البحر الأبيض المتوسط بتطبيق الحكم الشرعي الحكيم (من أحيا أرضا مواتا فهـي له)، الذي حرر الفلاحين النصارى وغيرهم وكان من أكبر أسباب ازدهار المسلمين الاقتصادي في صدر الإسلام وثورتهم الزراعية المشهورة.

ومن أمـثـلة ذلك الخيـر العام الذي قدمه الـمسـلمون (القـرى التـجـاريـة المشتركة) التــي أقامــها المسلمون في غــرب إفريقـيا في وقت مبــكر كمـا بين ذلــك الـمـؤرخ John Ralph Willis فهذه القـرى التجارية المتميزة أمكنت المسلمين من تحمل الخسائر الاقتصادية والاستمرار بالتجارة العالمية رغم الظروف الصعبة التي واجهتهم في غرب إفريقيا حتى حولوا المنطقة كلها إلى سوق دولية خصبة وأحدثوا وسائل الاتصال بين جميع نواحي المنطقة والعالم الخارجي فوضعوا الأسس الاقتصادية والثقافية التي قامت عليها كل من مملكة غانا في آخر قرونها ثم مملكة مالي التي كانت من أغنى وأقوى دول العالم في أيام الملك المشهور مانسا كانكان موسـىMansa Kankan Musa في القرن الرابع عشر الميلادي ثم بعد ذلك مملكة سونغهاي Songhay .

وفـي القرنيـن الثـالث والرابـع عــشر الـميلاديـيـن اشـتـرك الـمسلمون في وضــع نــظــام اقـتـصادي عالـمـي فعال بالتـعـاون مـع الصين كـما بـينت ذلـك الـمؤرخةJanet Lippman Abu-Lughod فوضعوا ونظموا الأسواق العالمية من أقــصــى الشرق في الصين إلى أقصـى الغرب إلى الأندلس وأوربا الشرقية والغربية وغرب إفريقيا. وجاء هذا النظام بأقدم نماذج للبنوك الدولية ونقل الأموال الضخمة عبر القارات عن طريق “الحوالة” وما يشبه الشيكات من غير حمل الذهب والفضة. ولكن من نوائب الحق في القدر أن هذا النظام الاقتصادي العالمي النافع انهار في القرن الرابع عشر الميلادي بغتة انهيارا تاما بسبب انتشار الطاعون العالمي المعروف في التاريخ بالموت الأسود. لكن هذا النظام وضع الأسس التي قام عليها نظام البنوك والرأسمالية الغربية بتعديلاتها الضارة في القرن الخامس عشر وما بعد ذلك.

والخير الذي قدمه المسلمون للعالم بمختلف العلوم والصناعات معروف ومعترف به، ومن أهم عناصر ذلك الخيـر العام صناعة الورق بطريقة رخيصة نسبيا التي امتدت من مدينة بخارى إلى الغرب وغيره والتي أدت إلى ظهور حضارة الكتاب ومحو الأمية في بعض الأحيان والمناطق. وتبلور علم الرياضيات بين المسلمين عدة قرون آخذين من مصادر كثيرة مختلفة يونانية وهندوسية وفارسية وغيرها حتى قدموا الأرقام العربية إلى العالم ومفهوم الصفر وغير ذلك. ولولا هذه الهدايا العالمية القيمة لظل أكثر وجوه التقدم التكنولوجي التي نعرفها ونستفيد منها اليوم كالحاسب الآلـي وغيره من محض المستحيل.

ومن الـمعلوم أن مـن أبـــرز سـمــات الحضارة الإسـلامية حيث ما وجدت أنــها فـتـحت أبواب الـتـعــايش بـيـن الناس رغـم اختلاف الأديــان والأجنـاس والـلـغـات وأنـها شـجـعـت التبادلات الثقافية والعــلمية الفـعـالة. وعرف الـمسـلمون بالدفـاع عن الأقليات الدينية التــي عــاشت بين أيديـهم. ومن أحسن الدراسات العلمية الحديثة لهذه الظاهرة المتميزة كتاب The Arts of Intimacy (فنون التآنس) التي ألفته العالماتBalbale Abigail وMaria Menocal وJerrilyn Dodd. إن الكتاب دراسة جميلة بصور كثيرة لظاهرة التبادل الثقافي الفنـي الفعال الذي قام في مدينة طليـطلة الأندلسية بين المسلمين واليهود والنصارى المستعربين. ظهر الكتاب في سنة 2009م وحاز شرف أحسن كتاب ظهر في تلك السنة من قبيل جريدة The Times في لندن.

وأما في مجال التعليم، فقد أثبت الباحث المشهور George Makdisi قبل أكثر من ثلاثين سنة بكتابه الأكاديمي المتقن The Rise of Colleges “ظهور المدارس العليا في الإسلام والغرب” أن الجامعات الغربية المشهورة التي ظهرت في أوربا في أخر العصور الوسطى لم تكن ظاهرة ثقافية مستقلة، بل تأثرت إلى حد بعيد بالمدارس العليا في الإسلام التي سبقتها ولا سيما المدارس الخاصة بإخراج الفقهاء والمفتين والمجتهدين. ومن آثار هذه المدارس على الجامعات الأوربية الناشئة كما أثبت المقدسي مبادئ أساسية كحرية البحث وكتابة الأطروحة في مجال علمـي مبتكر جديد ثم الدفاع عنها أمام العلماء وشهادة الدكتوراة التي تنال بذلك، والنظام المعروف بالكرسي الجامعي المنتشر في الغرب مأخوذ من كراسي التعليم في العالم الإسلامي كهذا الكرسي الذي يجلس عليه المحاضر في هذه الدروس الحسنية.

ثم أثبت الأستاذ المقدسـي في كتابه The Rise of Humanism “ظهور الإنسانية” أن الفلسفة المعروفة بالغرب بالإنسانية والتي كانت من أهم عناصر النهضة الأوروبية والتي ربما يفتخر بها الغرب اليوم أكثر من أي مبدأ آخر ويرى أنها من مزاياه الخاصة فلها أيضا جذور عميقة تعود إلى الحضارة الإسلامية ولا سيما إلى حلقات الأدباء والأطباء العلمية. ومن أدلة هذا التأثير ما كتبهPico della Mirandola في أول كتابه المشهور “شرف الإنسان” الذي ألف في القرن الخامس عشر الميلادي. وكانPico من أهم قادة النهضة المفكرين المبكرين، وكان على علم باللغات اللاتينية واليونانية والعبرية والآرامية والعربية. وكان أستاذه من المتمكنين من فلسفة ابن رشد. وقالPico في افتتاح كتابه المذكور الذي يعرف في الغرب ببيان النهضة، وهو يخاطب آباء الكنيسة: (لقد قرأت، أيها الآباء المحترمون، في كتب العرب أن عبد الله العربي (يريد بذلك عبد الله بن قتيبة) سئل ما هو أجدر شيء بالعجب على مسرحية العالم، كما يقال، فأجاب أنه ليس ثمة شيء يرى هو أعجب من الإنسان).

وختاما لهذا البحث، فقد قال ابن عطاء الله: (البدايات مجلات النـهايات)، وقال: (من أشرقت بدايته، أشرقت نهايته). وكانت بدايات هذه الأمة الفاضلة عظيمة ومشرقة جدا ودامت هكذا أكثر من ألف سنة. فبشرت بنهايات طيبة متماثلة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمتـي أمة مرحومة)، وقال: (أمتـي كالمطر، لا يدرى أوله خير أو آخره). فلا بد من أن ينتظر الخير والخيرية هذه الأمة المرحومة في آخرها كما ثبت ذلك لها في أوائلها.

وإنما كان البلاء الشديد لهذه الأمة في القرنين الماضيين بخاصة عصر الاستعمار وما بعد الاستعمار. وابتليت الأمة بكل أنواع البلايا والرزايا مما كاد أن ينسيها نفسها وتراثها وفضلها وكل الخير الذي كان متداوَلا بينها. وكان هذا البلاء من موجبات حكمة الله تعالى وعدله في القضاء والقدر، فإنه كان من لوازم الحق أن تبتلى هذه الأمة بمثل ما ابتليت به الأمم من قبلها. بل كان لابد أن يكون هذا البلاء أشد لخيرية هذه الأمة بين الأمم وحتى يكون انبعاثها وعودتها إلى الحق والخير بعد الفساد العام من أكبر معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان. وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: (لا تهربوا من البلاء، فإن البلاء مع الصبر أساس كل خير: أساس النبوة والرسالة والمعرفة والمحبة).

والتجديد المتكرر في تاريخ الحضارة الإسلامية من أعظم عجائب هذه الأمة. وقال المرحوم الشيخ أبو زهرة: (إنما التجديد هو أن يعاد إلى الدين رونقه، ويزال عنه ما علق به من الأوهام، ويبين للناس صافيا كجوهره، نقيا كأصله). وكان الزمن الذي عاش فيه الشيخ عبد القادر الجيلاني – وهو عصر الحروب الصليبية – كثير الشبه بما يواجهه المسلمون اليوم. وكان الشيخ عبد القادر الجيلاني من أكبر أسباب الإصلاح والتجديد في هذا الجيل حتى قيل إنه لم يظهر في الإسلام بعد الخلافة الراشدة من أصلح هذه الأمة كما أصلحها الشيخ عبد القادر في زمنه. فقد ضبط أمر العلماء والمدارس وأصلح الصوفية ونظم صفوفهم، وفتح أبواب نهضة أهل السنة والجماعة الكبرى، وأخذ بيد الملكين العظيمين عماد الدين زنكي وابنه نور الدين وقام بتربية الشاب الفتى صلاح الدين الأيوبي وجملة المجاهدين وبشر الشيخ عبد القادر مريده صلاح الدين بمستقبل كريم ودعا له بالتوفيق والحماية العجيبة من أعدائه، فجاء الخير بعد الشر العميم وظهرت أسباب الرجاء بعد اليأس. والعبرة من هذا الكلام يا أمير المؤمنين أن نحرص على أن يعرف الناس أن اليأس غير مقبول شرعا، لأن حكمة الله بالغة ورحمته واسعة، قال الله تعالى: “وإن مسه الشر فيئوس قنوط.” وقال سبحانه : “قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون”. فلا بد أن تستعمل الأساليب السياسية والإعلامية لبعث الأمل في المسلمين ودفع اليأس والانهيار النفسي عن عقولهم.

قال الله تعالى في كتابه العزيز:﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ (آل عمران، 3: 133). وهذه المسابقة تستوجب العلم والعمل والتواضع والإيثار والصدق مع الحق وحسن الخلق مع الخلق. فالعمل يحتاج إلى العلم والعلم يحتاج إلى التوفيق، وقليل من الأدب خير من كثير من العلم من غير أدب. وروي عن السلف الصالح: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار). وكذلك قيل: (إن العلم لا يهمل صاحبه، بل يـهـلكه هلاك الأبد إن لم يعمل به ويحييه حياة السعادة الأبدية إن عمل به). ومن خير وجوه العلم والعمل وأصدقها عند الله تعالى إسداء الخير للعالمين بالخدمة والمحبة على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اللهم بك نستعين فأعنا، وبك نستغيث فأغثنا، وعليك توكلنا فاكفنا يا كافي المهمات اكفنا أمور الدنيا والآخرة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *