23 أغسطس 2017
الرئيسية > آراء ومواقف > التربية الإسلامية والفلسفة

التربية الإسلامية والفلسفة

حدثت نفسي بالكتابة في هذا الموضوع منذ بداياته الأولى، ولكنني كنت أنصرف عنه، من جهة لشواغل عدة، ومن جهة على أمل أن ينتهي السجال فيه بتغليب وحدة الصف والكيان التربوي الذي يضم زملاء من الاتجاهين، وأن يكون الحوار والتفاهم على طرق تصريف الخلاف بما يحفظ الود ويسهم في التكوين الإيجابي للمتمدرس، ويؤهله لاكتساب القيم الضرورية من الدين والمنهجية من الفلسفة دون مواقف ومسبقات موجهة.
للأسف بعض المنابر حريصة على تضخيم الاشكال بشكل لافت للنظر بل ومستفز لدرجة يصح معها طرح السؤال: هل هي فعلا تبحث عن حل أم تريد تأزيم الموقف والعلاقة والدفع في اتجاه الخصومة والتقاطب الحاد بما لا يخدم الشأن التربوي ولا القييمين عليه؟ وأثمن هنا عاليا ما قامت به بعض الفروع الممثلة للأساتذة من المادتين معا، لما جلست إلى الحوار والتفاهم من أجل استيعاب الإشكال وتجاوزه نحو الأفضل. فالأصل في العمل التكويني التربوي: الفهم والمعرفة للأشياء والقضايا كما هي لا كما نريد، وإكساب القدرة على النظر والتحليل، وتوسيع مدارك الحوار والتواصل، وبناء الشخصية المستقلة القادرة على التمييز، فليس ثمة شيء أضر على نظم التربية والتكوين من تلقين المتمدرس تصنيف الآخرين، واتخاذ مواقف إزاءهم. فسنكون هنا من حيث لا نشعر نُعِدُّ “خصوما” و”محاربين” متخندقين في هذا الاتجاه أو ذاك، بدل تأهيلهم فكريا لاستيعاب الرأي الآخر، وحسن تدبير الاختلاف، والاستفادة من كل الخبرات والتجارب المتاحة. وليس لذلك من معنى إلا المزيد من تأزيم الواقع الفكري والتربوي والثقافي في الأمة، مما يجعلها عاجزة تماما عن التفكير في بناء مستقبلها بالإعداد الجيد لأطرها مادامت منهمكة دائما في حل مشكلاتها، غير قادرة على تجاوزها ولا استبانة الوجهة والقبلة بعدُ في قضيتها الأولى: التربية.
فلا يمكن للحقائق التاريخية أن تشطب، ولا يمكن للخلاف أو الاختلاف أن يزول، ولا يمكن لمنطق الانتقاء والبتر والتجزيئ أن يحل محل الانصاف والموضوعية، ولا أن نجعل من الآخرين نسخا مكررة عن ذواتنا، فكل ذلك مخالف لسنة الله في خلقه، وكل ميسر لما خلق له. والأصل في ذلك عرضه كما هو، فهما وتحليلا ونقدا وتجاوزا، بما يخدم القيم العليا المشتركة التي تشترك في كثير منها الفلسفة والدين معا.
وإذا كان ابن الصلاح رحمه الله وغيره من العلماء، وهم قلة، قد أفتوا بتحريم أو كراهة الاشتغال بالمنطق والفلسفة، وذلك، عند التدقيق، نابع من تخوفهم من أن تطرأ بعض مقولاتها على ضعاف العقول أو أن تشغب على أفكارهم وتدينهم، فإن ذلك لم يمنع الجمهور العريض من علماء الأمة من النظر فيها والتعاطي مع مسائلها المختلفة اتفاقا أو اختلافا، ومثل ذلك الاشتغال بالمنطق وتقريره في كثير من العلوم.
واعتقد انه كما لا ينبغي لمدرس الفلسفة أن يجعل من هذه النازلة ذريعة للطعن في بعض العلماء، إذ بالإمكان تجاوزها كمعطى تاريخي يعكس منظورا معينا، إلى آفاق الاشتغال والممارسة لدى الآخرين. فهذا علم الكلام نفسه، ذمه كثير من الأئمة المتقدمين، لكن لم يمنع من جاء بعدهم من الاشتغال به، ليس مخالفة لهم وإنما اعتبارا لما جد وطرأ في الأمة من أفكار، بعضها طرحته الفلسفة نفسها، من منظورات عقلية ونقلية.
فكذلك لا ينبغي لمدرس التربية الإسلامية أن يجعل من مقولة ابن الصلاح ذريعة للطعن في الفلسفة جملة وتفصيلا، دون التعامل معها في سياقها التاريخي، والتنبيه إلى الجم الغفير من العلماء الذين اشتغلوا بالفلسفة والمنطق وألفوا في ذلك الكتب الكثيرة سواء كانوا متفقين أو مختلفين.
فليس بدعوى ان ثمة فلاسفة خاصموا الدين وحقائقه، نحكم على كل الفلسفة بالإلحاد، وما أكثر الفلاسفة المتدينين قديما وحديثا، والصواب أن نذكر هؤلاء وهؤلاء. كما أنه ليس بدعوى أن ثمة فقهاء منعوا الاشتغال بالمنطق والفلسفة، نجعل من العلماء وعلوم الدين خصما لهما بإطلاق، والصواب هنا أيضا أن نذكر هؤلاء وهؤلاء. ونحن في ذلك كله ننمي ملكة النقد والتمييز والوعي التاريخي المقارنة لدى المتلقي.
إن العائق أمام بعض مدرسي المادتين ليس الفلسفة ولا الدين، وإنما المسبقات والمواقف التي ينبغي أن توضع في الخلف، حيث نجد البعض للأسف يعضونها أمامهم، فتحجب عنهم الرؤية الموضوعية وإبصار المعاني السامية والقيم النبيلة، وأوجه الاستفادة الممكنة من الفلسفة للدين: في تحليل وتفسير نفس الظواهر والموضوعات المشتركة بينهما: وجودا طبيعيا، وحقائق إنسانية، وأخلاق وفضائل، ومناهج بحث في العلوم، ونظر وبناء في المعرفة…الخ. ومن الدين للفلسفة: إجابة عن أسئلة مقلقة وحرجة، والإفادة بالمعنى ومبرر الخلق والايجاد، وإضفاء مقاصد وغايات كلية على العلوم والمعارف، والسمو بالقيم والفضائل، مادية أو روحية، إلى منتهاها، والاعتدال والتوازن الجامع بين عالمي الغيب والشهادة…الخ. فإذا كان هناك نموذج ديني عرفته أمة أخرى، خاصم العلم والعقل والفكر والإبداع، وخاض ضدها حروبا لقرون طويلة، فليست كل الأديان كذلك. وإذا كان هنالك نموذج فلسفي سيء فليست كل النماذج كذلك.
مؤسف جدا أن يُفوت بعض مدرسي الفلسفة الإمكانات التي يعضد بها الدين النظر الفلسفي: تشجيعا على إعمال العقل والنظر والفكر والتدبر والأبصار والاعتبار…، وتوسيعا من مجال إدراك الحقائق الوجودية الكبرى الكونية والإنسانية…، فضلا عن قيم العدل والحرية والكرامة والتعارف والحوار والاختيار والتعايش والسماحة. كما هو مؤسف كذلك أن يفوت بعض مدرسي التربية الإسلامية الإمكانات التي تعضد بها الفلسفة الدين: نظرا ومنهجا، وتحليلا ونقدا ومقارنة، ورصدا للتطور في أنساق “باراديغمات” العلوم والمعارف والنظريات المؤسسة لها…، فهذا كسب بشري في مجال النظر، مثله مثل الكسب البشري في مجال الصناعة والتكنولوجيا والطب… وفيهما معا النافع والضار، و”الحكمة ضالة المؤمن أنا وجدها فهو أحق بها”.
قد يجد مُدرس ما سهولة فيه أن يتحيز إلى هذه المادة أو تلك، وأن يبلغ بهم التحيز مبلغ الطعن في غيره، وهذا للأسف ما قرأنا وسمعنا شيئا منه: (كفر وإلحاد وزندقة…، ووهابية وداعشية وتطرف…). وقد يتوهم المتحيز أنه بذلك يدافع عن مادته ويحصنها ويمكن لها. وكل ذلك وهم وتوهم، فقد يكون أضر بها من خصمه حينما يغلق أمامها كل منافذ التهوية والتلقيح في مجال المعارف والعلوم والقيم التي الأصل فيها عدم التحيز.
لكنه بالمقابل يجد صعوبة في إنصاف الغير، وفي الإقرار بالحق للمخالف متى كان، كما يجد صعوبة في تركيب فكره من الحقائق والمعارف المختلفة من غير تحيز أو تعصب، وفي أن يختار ويعترف لغيره بحق الاختيار. وهذه هي معركة التربية الحقة، وهذا هو مركز الثقل الجامع الذي يلزم فيه “النضال” و”الجهاد” في الذات أولا وفي الغير ثانيا، وإن لم يكن هذا جوهر الدين والشريعة فهو منها، وإن لم يكن جوهر الحكمة والفلسفة فهو منها كذلك.
إن نماذج متقدمة ومتأخرة في تاريخنا عكست هذه الروح ودافعت عنها، وكلنا يعلم دفاع ابن رشد (الفيلسوف الفقيه) عن الاتصال بين “الحكمة والشريعة”، وأن “الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة (…) وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر”. وأوجب رحمه الله “النظر في قول من سبقنا ممن نظر في الموجودات بحسب ما اقتضته شرائط البرهان.. فما كان موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه. وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم”. وربما قلة منا تعلم جهد ابن تيمية رحمه الله (الفقيه المتكلم) في “درء تعارض العقل والنقل”، فهو في حصره لإمكانات التعارض بين الأدلة النقلية والعقلية، لم يجعل التعارض في أصل الدليل: “النقل” أو “العقل”، بل فيما يلازمه من “قطع” أو “ظن”، أو “صحة” و”صراحة” في تعبير آخر له. ولم يتردد في تقديم “القطعي العقلي” على “الظني النقلي”، كما لم يتردد في تقديم “القطعي النقلي” على “الظني العقلي”. نافيا تماما إمكان التعارض بين القطعيين نقليين كانا أم عقليين، أو بين “نقل صحيح” و”عقل صريح”. ولكن المقاربة الانتقائية للأسف تُغَيِّبُ في هؤلاء هذه الروح المبدعة التي يفترض فيها الاستمرار، وتعمل بالمقابل على تعميم “فتاوى” معظمها محكوم بسياق الزمان والمكان وظروف الحرب والتضييق والمنازعة.
وهذا محمد عبده يكتب عن “الإسلام بين العلم والمدنية”، والحجوي الفاسي عن “التعاضد المتين بين العلم والعقل والدين”، وغيرهم من المتأخرين كثير.
نعم، نحتاج الى نظر فلسفي في الدين يكشف ويجلي كثيرا من مكنوناته، باعتباره جهدا تفقهيا تدبريا وتعقليا، ومنهجيا معرفيا… قادرا على النفاذ الى نقاط بعيدة في معانيه ودلالاته وآياته. كما نحتاج الى نظر ديني في الفلسفة يضفي عليها أبعادا غائية ومقصدية، وقيمية كلية، وتفسيرية إضافية… لأنه المطلق الذي يسمح بارتياد كل الافاق الزمانية والمكانية والإنسانية بسلاح العلم والعقل وبالإيمان.
حضرت مرة ندوة قال فيها أحد المشتغلين بالفلسفة: لو أن الفلاسفة أنتجوا خطابا دينيا لكنا تخلصنا من الأديان. نعم! هكذا بكل بساطة. فكان أن رددت بالقول: إذن لو أن علماء الدين أنتجوا خطابا فلسفيا لكنا تخلصنا من الفلسفة. وهذا أقرب الى الصواب من الأول، لأن البشرية عرفت التدين في جميع مراحلها، لكنها لم تعرف التفلسف الا في مراحل محددة. وإن كان طرح الدعوى بهذه الصيغة غير سليم، لأنه إذا كان الأصل في الانسان “التدين”، فهو مدعو كذلك الى إبداع نظمه الفكرية والعلمية والحضارية، ولا معنى لإقامة الخصومة والتقابل. وقرأت للمؤرخ الفرنسي فيرنان بروديل في كتابه القيم “قواعد لغة الحضارات” لطيفة ذكرها عن حكيم هندي وفيلسوف يوناني، حيث قال الأول للثاني: ما الفلسفة عنكم؟ فأجاب الفيلسوف: معرفة الحقائق الطبيعية والإنسانية. فضحك الحكيم ورد متهكما: كيف تعرفون الحقائق الطبيعية والإنسانية قبل معرفة الحقائق الإلهية؟!
أعرف زملاء من مدرسي الفلسفة التزامهم بالدين يفوق التزام بعض مدرسي التربية الإسلامية، كما أعرف زملاء من مدرسي التربية الإسلامية اشتغالهم على الفلسفة وقضاياها قد يفوق بعض مدرسيها. فأين الاشكال إذن؟!.. مرة أخرى، هو في المواقف والمسبقات والتعصب للمقولات، في انسداد نسق المعرفة وعدم انفتاحه على التجارب المختلفة. في المعنى القدحي الجاهز الذي نعطيه للفلسفة أو نعطيه للدين مسبقا دون بذل الجهد في النظر والتمحيص. ويعرف كثير ممن درسوا في تكوين أشرف عليه بمعية أساتذة آخرين، أنه يجلس جنبا الى جنب كل من خريجي مدارس التعليم العتيق على مستوى متين من التكوين في العلوم الشرعية، وأساتذة من خريجي شعبة الفلسفة على مستوى متين كذلك من التكوين في العلوم الإنسانية، في نقاش علمي رائع وإفادات متبادلة حينما يتم إذابة جليد المواقف والحواجز النفسية والفكرية والتاريخية، ويتم التواصل مع العلم والمعرفة من غير تحيز وتعصب.
أعتقد أخيرا أنه إذا وقع التحرر من الآفات السابقة، أو على الأقل تهميش الدعاوى المستنفرة لخدمتها، سنكون ساهمنا في تطوير المعارف والعلوم الدينية والفلسفية معا، وأسدينا معروفا لقضيتنا التربوية، فتلك الرسالة التي ستذكرنا بها أجيال الأمة إذا نحن أديناها بيقين وإخلاص. وذلك ما أدعو إليه إخواني وزملائي من مدرسي المادتين معا، وأرجو أن تأخذه المراجعات المقبلة للمقررات بعين الاعتبار.
والله تعالى الموقف والهادي إلى سواء السبيل.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *