23 أغسطس 2017
الرئيسية > عبر المغرب > أخبار > النص الكامل لمسألة المرتد كما جاءت في كتاب “سبيل العلماء”
sabil-oulama-100

النص الكامل لمسألة المرتد كما جاءت في كتاب “سبيل العلماء”

سجل في الفترة الأخيرة نقاش حول تراجع المجلس العلمي الأعلى عن فتوى سابقة تخص قتل المرتد، والذي تم استنتاجه من وثيقة جديدة أصدرها أخيرا المجلس العلمي الأعلى، والتي ليس لها طابع رسمي كما أنها ليست متضمنة لفتوى، ويقدم دين بريس فقرات من وثيقة “سبيل العلماء” التي تم فيها الإشارة إلى قضية الردة والمرتد (من الصفحة 96 إلى الصفحة 101):

4 – لا إكراه في الدين المتشوف إلى الحرية
يعتبر فهم الحرية مصدر إشكال بالنسبة للعلماء المسؤولين عن تبليغ الدين، والسبب في ذلك الاعتقاد بأن مخالفة أوامر الدين ونواهيه ناجم عن حرية المخالفين الذين لو حرموا منها لما وقعوا في المعصية، والبين أن هذا النوع من الاعتبار يفترض أن الطاعة متوقفة على الإكراه، وهو ما لا يتوافق مع نص الدين الصريح. ولكي يتعزز بشاهد التاريخ أن الحرية من صميم وجود الدين يكفي استحضار جهاد المؤمنين الأولين الذين مُنِعوا مِن حرية إظهار إيمانهم والدعوة له، فاضطروا إلى الدفاع عن معتقدهم، ولما حققوا هذه الحرية بعد الفتح لم يُكرهوا غيرهم بل تركوا لهم حريتهم في الاعتقاد.
غيرأن تلك الحرية مبنية على شرط متعاقد عليه، وهو عدم التآمر على الأمة المؤمنة غالبيتها بالعقيدة الجديدة. وهذا الشرط، شرط عدم التآمر بأي شكل كان، تكفله القوانين نفسها في هذا العصر، أما انجذاب الناس للمخالَفة بأنواع الإغراء فيما يتعلق بحقوق الله، فمقاومته مرهونة بالوازع الذاتي، وإن لم يتوفر الوازع المتوقف على إرشاد العلماء وتحريضهم فلا فائدة في مجرد اتباع العوائد والمواضعات الاجتماعية. فالإيمان بالحرية إيمان بقدرة الدين، أي قدرة أهله على حفظه في أنفسهم وإعطاء النموذج الذي يغري به حتى النفعيين من مطلق الناس،إذ من المنتظر أن تخرج للناس خير أمة يقتنعون بنموذجيتها في القيم والفوائد المرتبطة بالحياة. فالاتصال بنماذج الأفكار والسلوكات الأخرى كما وقع للمسلمين عند احتكاكهم في العصر الحديث بالأوروبيين وحضارتهم، هو المحك لإظهار قوة هذا الدين وقدرته على المنافسة، وهكذا لا يجوز أن يتوقع المسلمون، وهم في حالة تخلف وترد في عدة ميادين، أن يكون حفظ الدين بمنع الحرية وإقامة الإكراه؛ فهذا فهم فاسد للدين وللتاريخ.
وخلافا للرأي السائد، فإن الدين على الإجمال أحسن حالا اليوم منه في ماضي المسلمين، إذا نظر إلى طبيعة التدين وإلى الأولويات والمقاصد الكبرى، لأن الوسائل المتوفرة اليوم، سواء للتعبد أو للتظلم، لم تكن متوفرة من قبل، وهكذا فالسبب في هذا التحسن مرتبط بالحرية وما يتصل بها من تحقيق العدل بتوفر وسائله من جهة، وشيوع التعليم من جهة أخرى. ومما هو جدير بالتأمل ما وقع في بلدان ترى نفسها على أحسن ما يرجى من الإيمان بالحرية، فقد تضايق فيها جزء من الرأي العام بحجاب بعض المسلمات، ولو لم يتضايقوا لما ثارت الضجة، وبالرغم من أنهم جهابذة في تحليل التعابير الاجتماعية الخارجية فإنهم قد فتحوا باب الاعتراض بخلفيات أخرى، وذلك بإقحام رمز ديني في الموضوع. إن للسلوك الديني تَلَوُّناتٍ اجتماعية. وفي جميع الحالات فإن تداول العلماء في هذا المبحث، مبحث الحرية في كل تمظهراته، من أهم مفاتيح التجديد والنجاعة في أداء رسالتهم.
إن الأمم الأخرى لم تفرط في أديانها بالرغم من الفصل المؤسساتي أو الشكلي بين الدولة والدين، بل ربما سلم عندهم الدين من أخطاء المؤسسات السياسية، والنموذج الأمثل هو القائم في حاضرنا المغربي، امتدادا لتاريخنا، نموذج تحفظ فيه الدين إمارة المؤمنين، في حرية يصونها القانون، ومن أجل نموذج كمالي يتوقف على سلوك أفراد الأمة، مؤطرين بالعلماء، لا على تصور مخطئ وفاسد، لأنه مبني على افتراض الإكراه وسيلة للإصلاح.

5 – قضايا العدل والتضامن والحقوق والحريات في الأمة


من الواجهات المستوجبة للعمل المشترك بين أقطار الأمة المختلفة أولا، وبينها وبيْنَ غيرها ثانيا، قضايا إنسانية واجتماعية تتعلق بالفرد والجماعة على حد سواء. وتأتي على رأسها قضية العدل والتضامن بين الشعوب. والله تعالى الذي ناط الخيرية والشهادة بهذه الأمة جعل بين يديها من القدرات والإمكانات المادية مثل ما جعل لها من الرصيد والزاد في المعنى والقيم، وذلك حتى تقتدر الأمة على القيام بواجبها ومسؤوليتها تجاه نفسها وغيرها. فعلى امتدادها غربا وشرقا توجد إمكانات هائلة على سطح الأرض وفي باطنها تكفي لتلبية الاحتياجات الضرورية للإنسان والعمران معا. ولعل من شـأن التوزيع المتكافئ لها – في سياق التضامن والتكافل الإسلامي – أن ينهض بكل أقطارها ويصحح كثيرا من الاختلالات فيها. وللأسف فإن معدلات الفقر والأمية والجهل والاحتياج إلى الضروري من وسائل العيش… هي في هذه الأمة من المعدلات العالية بين سائر الأمم. رغم أن دينها لم يقم إلا على القراءة النافية للأمية، والعلم أو التعلم النافي للجهل، والإحسان أو الوقف النافي للفقر.. وحسن الإعداد النافي للضعف والوهن.. ورغم أن نموذجها التاريخي كان ولا يزال شاهدا على نموذج إنساني وكوني من الحضارة والثقافة حيث تجسدت فعلا عالمية القيم والمشتركات الدينية والحضارية والثقافية.
إن تفعيل مبدأ العدل والتضامن بين الشعوب والدول من شـأنه أن يُعيد حالة الإجماع داخل كل بلد وبين البلدان، ويخفف من حالات التفاوت والاحتقان، ويضمن الكرامة للفرد والجماعة كما يضمنها للأمة، ويعزز شعور المسلم والمواطن فيها بالحب وعمق الانتماء. والحاجة لا تزال ماسة كذلك إلى تفعيل وتطوير كل أشكال الاتحاد والتعاون القائمة أو المعطلة، وإكسابها مضامين جديدة لوقائع جديدة نحو غد أفضل بحول الله.
تندرج في هذا السياق كذلك الحقوق والحريات المتعلقة بالأفراد والجماعات. فكما ألزم الشرع الإنسان المكلف بالواجبات، جعل له حقوقا تبتدئ من حق نفسه عليه وتتسع دائرتها إلى من يليه، أسرة وجماعة وأمة وعالما. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن دائرة الحقوق كلما اتسعت ضاقت وتقلصت حقوق الأفراد فيها لفائدة الجماعة التي يكونونها، ولهذا فكما يحرص التشريع على اعتبار حرية الفرد ومسؤوليته الذاتية، يحرص كذلك على اعتبار حرية الجماعة ومسؤوليتها. وهذا التوازن الضروري هنا هو ما تفتقده وتفتقر إليه كثير من النظم الفكرية والسياسية الحديثة والمعاصرة، سواء تلك التي تضخم لديها حق الجماعة (الدولة) على حساب الأفراد، أو تلك التي تضخمت لديها النزعات الفردانية على حساب الجماعة.
وإن من أبرز الحقوق والحريات التي كفلها الدين، حق وحرية الإيمان نفسه كما هو مقرر في صريح القرآن ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي..﴾ [البقرة: 255]، ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: 29]. فبعد التذكير والبيان وظهور الحق من الباطل والرشد من الغي، تبقى على الفرد أو الجماعة مسؤولية الاختيار، حيث يترتب الجزاء ثوابا أو عقابا، وذلك من غير إكراه ولا إلزام على هذا الاختيار. ولقد كان القرآن الكريم يتنزل مذكرا رسول الله ﷺ مرارا بهذا الأمر لما كان يجد في نفسه من عدم استجابة قومه: ﴿فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر﴾ [الغاشية: 22]، ﴿أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مومنين﴾ [يونس: 99]، ﴿وإن كان كَبُرَ عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الارض أو سُلَّما في السماء فتاتيهم بآية﴾ [الأنعام: 36]، وهذا سر من أسرار قوة هذا الدين حين يؤمن الفرد اختيارا واقتناعا بكلماته، وبسلطان من داخله لا من خارجه، إذ قوته في الكلمات التامات نفسها.
ويعقب هذا أن ثمة التزاما وتعاقدا داخل الجماعة يرعاه حاكمها ويسوس الجماعة بمقتضاه، إذ لا يتصور قيام الجماعة (الدولة) من غير نظام أو قانون ينضبط له وبه الجميع. ومن غير رموز علمية وثقافية تعبر عن هوية الجماعة ووحدتها دينا ولغة وتاريخا وعادات وتقاليد وآدابا وفنونا، مع كل ما تحمل من إمكانات التعدد والتنوع الذي هو غِنًى داخلها وليس تناقضا. فتنصيص الجماعة على اختيارها الديني في دستورها يجدد التزام أفرادها باحترام هذا الاختيار وعدم التشويش عليه، وكيف إذا كان هذا الاختيار امتدادا لقرون من الزمان يعكس حالات الإجماع والوحدة داخل كيانات الأمة؛ العلمية والسياسية والمدنية، بل وأضحى من عناصر أمن المجتمع واستقراره؛ فإن للأفراد اختياراتهم التي لا يسألون عنها كما أن للجماعة اختيارها الذي تصونه.
لقد أثيرت في الإسلام قديما ولا تزال تثار قضية الردة والمرتد، ويبقى الفهم الأصح والأسلم لها المنسجمُ مع روح التشريع ونصوصه ومع السيرة العملية للنبي ﷺ أن المقصود بقتل المرتد هو الخائن للجماعة، المفشي لأسرارها والمستقوي عليها بخصومها؛ أي ما يعادل الخيانة العظمى في القوانين الدولية، وهذا معنى قوله ﷺ: «من بدل دينه فاقتلوه»  البخاري برقم 3017. المقيد بقوله ﷺ: «..التارك لدينه المفارق للجماعة» البخاري برقم 6887، ومسلم برقم 1676 واللفظ له، وترك جماعة المسلمين لم يكن حينها إلا التحاقا بجماعة المشركين خصومهم وأعدائهم في سياق الحروب الدائرة بينهم. فالردة هنا سياسية وليست فكرية. ولقد تحدث القرآن الكريم عن الردة الفكرية في آيات عديدة ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية وإنما جزاء أخرويا كما في قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فقد حبِطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: 215].
كما أن ثمة شواهد في السيرة النبوية؛ منها صلح الحديبية الذي كان من بنوده: أن من أسلم ثم ارتد إلى قريش لا يطالب به المسلمون، وأن من التحق بالمسلمين من المشركين استردوه. وفي الرجل الأعرابي الذي أسلم ثم طلب إقالته من شهادته فلم يفعل الرسول ﷺ معَهُ شيئاً، فخرج من المدينة ولم يلحقه أذى، وإنما قال النبي ﷺ «المدينة كالكير تنفي خبثها وينصعُ طيبها»،بالإضافة إلى حالات أخرى ارتدت على العهد النبوي ولم تُحَدَّ بهذا الحد.
ولم يكن قتال أبي بكر رضي الله عنه للمرتدين إلا بالمعنى السياسي العام، ضد طائفة شقت عصا الطاعة على الإمام، وأرادت أن تفرق وحدة الجماعة، وتفسد فهم الدين بتعطيل أحد أركانه، ومعلوم أن الدين كان ولا يزال عمود الاستقرار الأساس في المجتمع. وما كثير من الفتن والحروب الدائرة اليوم إلا بسبب فساد تأويله وسوء استغلاله وتوظيفه. إن المتأمل في السلوك السياسي والاجتماعي المدني المتعلق بالحقوق والحريات والعدل والمساواة بين جماعة المسلمين وبينهم وبين غيرهم من أهل الملل الأخرى، كما نصت عليه وثيقة المدينة الجامعة، ليلمس كيف أن معانيها السامية لا تزال غضة طرية ما أحوج المسلمين، وما أحوج البشرية إليها اليوم لإحداث التصالح والتعايش المطلوب، وليس ذاك إلا لكون معانيها من وحي الله الخالد، المستوعب للإنسان والزمان والمكان.

عن دين بريس

dinpresse@gmail.com'

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *