29 يونيو 2017
الرئيسية > آراء ومواقف > سياسة محاربة الإرهاب في المغرب تعاني من أزمة حقيقية
إدريس الكنبوري
إدريس الكنبوري

سياسة محاربة الإرهاب في المغرب تعاني من أزمة حقيقية

إدريس الكنبوري*

خلال العام الماضي، قام المغرب بتفكيك عدد كبير غير مسبوق من الخلايا المتطرفة. وفي الأسبوع الماضي، تم تفكيك خلية وصفت بالخطيرة ينتمي أفرادها إلى عدد من المدن المغربية. وإذا ألقينا نظرة عجلى على هذه الخلايا سوف نجد أن غالبيتها أعلنت ارتباطها بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف اختصارا بـ”داعش”؛ فمنذ العام 2014، حين أعلن هذا الأخير عما أطلق عليه اسم “الخلافة” في أجزاء من الأراضي العراقية والسورية، والمعادلة الجهادية في تطور متسارع على الصعيدين الدولي والإقليمي.

لقد أصبح للتنظيم أتباع في كل مكان. وعكس ما يوحي ظاهر الأشياء، فإن خطابه لا يزال يتسم بنوع من الجاذبية لفئات من الشباب العاري من الثقافة والميّال إلى الإيمان بالشعارات التي تخاطب عقله الباطن. وتوفر شبكة الأنترنت سوقا للتبضع أمام هذا التنظيم لاستقطاب المزيد من الضحايا المستعدين لقتل مواطنيهم واستهداف بلدانهم التي يعيشون على أراضيها.

ويبدو أن مسلسل التفكيك للشبكات الإرهابية في المغرب لن يتوقف عما قريب؛ ذلك أن المغرب الذي يتمتع بحالة من الاستقرار بات يغري هذا التنظيم المتوحش، الذي يرى في هذا الاستقرار تشكيكا في قدراته على الوصول إلى أهدافه بالسرعة والسهولة اللتين بهما يحققها في بلدان أخرى تضررت من جراء عملياته الإرهابية، بما في ذلك بلدان في القارة الأوروبية.

بيد أن الملاحظة التي تثير حيرة الباحث هي أن هذا الكم الهائل من الخلايا الإرهابية التي جرى تفكيكها في السنوات الماضية نشأ في ظل السياسة الجديدة في المجال الديني، التي اصطلح عليها بإعادة هيكلة المجال الديني. فبعد أزيد من عشر سنوات من هذه السياسة، وفي الوقت الذي كان يتعين أن تتقلص دائرة التطرف وتتراجع التهديدات الإرهابية، ها هو المكتب المركزي للأبحاث القضائية لا يكاد يمر أسبوع دون أن يعلن عن تفكيك خلية جديدة.

وقد أعلن السيد عبد الحق الخيام، مدير المكتب المذكور، في حوار نشرته يومية “أخبار اليوم” مؤخرا، أن بعض المعتقلين في هذه الخلايا يعاني فراغا في التأطير الديني، وذكر أن المشكل ليس فقط مشكلا أمنيا، ووجه دعوة إلى المثقف المغربي لكي يعود إلى أداء رسالته.

ومثل هذا التصريح ـ في رأيي ـ دليل واضح على أن سياسة محاربة الإرهاب في المغرب تعاني من أزمة حقيقية، وهو في الوقت نفسه يدل على شعور المسؤولين الأمنيين في بلادنا بفداحة التحديات المطروحة، ورغبة في إشراك المثقفين والباحثين والعلماء في سياسة محاربة الإرهاب.

والواقع أن السيد الخيام قد وضع أصبعه على الجرح، كما يقال، وعزز ما سبق أن كتبناه ودعونا إليه عشرات المرات في عدد من المنابر داخل وخارج المغرب. فمنذ عشر سنوات ونحن نطالب بالحوار مع معتقلي السلفية الجهادية، وندعو إلى تحويل الفضاء السجني إلى فضاء للحوار والنقاش بدل أن يكون فضاء للمراقبة والعقاب فحسب. وبتعبير ميشيل فوكو، فإنه من السهل اعتقال شخص متطرف وإيداعه السجن وتركه في فضاء مغلق ينمي مشاعره العدوانية أو أمراضه النفسية في مكان يوفر الفرصة لذلك النمو، ولكن من الصعب أن تحوله إلى مواطن قادر على الاندماج مجددا بدون رؤية واضحة ومشروع متكامل. وإذا كنا عاجزين، كمجتمع وكدولة، على إعادة اكتساب شخص سرقه التطرف من أحضان المجتمع، فإن هذا يعني أن التطرف انتصر علينا.

إن مسألة انخراط المثقف في معركة محاربة الإرهاب في المغرب، التي نعتبرها ضرورية وحلقة أساسية في هذه المعركة، لا يمكن لها أن تنجح في ظل الطريقة التقليدية التي تتصرف بها الأجهزة الأمنية تجاه المثقفين والباحثين في الظاهرة الإرهابية والتطرف الديني.

لنقلها بكل صراحة: إن الباحث في التطرف الديني والإرهاب يبقى معلقا بين الأجهزة الأمنية التي تتشكك فيه، وبين المتطرفين الذين ينظرون إليه كشخص يردد ما تقوله الأجهزة الأمنية، بل أحيانا يسخر منه الطرفان معا نتيجة غياب المعلومات المحينة لديه، بسبب الحصار المضروب على المعلومات وانغلاق جسر التواصل بين الباحثين والمسؤولين الأمنيين.

ففي بلد كفرنسا، مثلا، نجد أن الباحثين في الظاهرة الإرهابية والتطرف الديني، أمثال جيل كيبل وأوليفيي روا وفرانسوا بورغات وغيرهم، يجدون حظوة لدى المسؤولين الأمنيين ويمكنهم أن يصلوا إلى المعلومات بكل سرعة وفي اللحظة الساخنة للحدث. في المقابل، نجد أن الباحث في المغرب يقف في الصف الثالث بعد المسؤولين الأمنيين ووسائل الإعلام، ولا يحظى بأي اهتمام لدى المسؤولين الأمنيين. فهل سبق مرة أن عقد مسؤول أمني مغربي لقاء مع الباحثين لسماع آرائهم وتقديم المعلومات لهم والإجابة على تساؤلاتهم؟ إنها ليست مسؤولية المثقفين والباحثين، بل مسؤولية الأمنيين بالدرجة الأولى.

*أكاديمي وباحث في قضايا الفكر الإسلامي

عن إدريس الكنبوري

elganbouri@dinpresse.com'

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *