29 يونيو 2017
الرئيسية > آراء ومواقف > في التقاء المثقف ورجل الدين نهاية للفكر المتشدد
alaoui.mohammed-belarbi-2

في التقاء المثقف ورجل الدين نهاية للفكر المتشدد

 

قال وزير الثقافة المغربي، محمد أمين الصبيحي، في تقديمه للدورة 32 لمعرض الدار البيضاء الدولي
للكتاب، إن “الكتب التي تدعو إلى الكراهية والتطرف لا مكان لها في المعرض”، وهي خطوة تأتي في سياق
الحرب الشاملة التي أطلقتها السلطات المغربية ضد كل عناصر ومولدات الفكر المتطرف.

لكن، ولئن نجحت هذه الحرب في جانبها الأمني، فإنها مازالت في حاجة إلى تدعيم جوانبها الأخرى والأشد
أهمية من المواجهة الأمنية، لأنه إن تم تفعيلها وتحريكها بقوة فلن يكون هناك داع أصلا للمواجهة الأمنية،
فالتطرف قبل أن يكون عملية إرهابية هو فكر وثقافة، والفكر لا يحارب إلا بالفكر.

التطرف والإرهاب ولدا أساسا من خلال قراءات وتفسيرات مفصلة للنص المقدس، ومحاولة تطبيق تراث محدد
بحوادث وتفاصيل زمنية، على اللحظة الراهنة بتفاصيلها المختلفة.

لم تصل هذه التفسيرات إلى الشباب المغربي والعربي وحتى الأوروبي والأميركي عن طريق رجل الأمن، بل
عن طريق الكتب والبرامج التلفزيونية وأشرطة اليوتيوب وأغاني الراب والهيب هوب. هنا ماذا يمكن أن يفعل
رجل الأمن، غير تشديد القبضة وسجن كل من تحوم حوله الشبهات.

لا شكّ في أن محاصرة ظاهرة الإرهاب والخطاب المتطرف تحتاج إلى قبضة أمنية قوية، ومتابعة استخباراتية
لصيقة لمن يحملون الفكر المتطرف، ومراقبة للبيئة التي يعيش فيها هؤلاء، لكن، يتناسى الكثيرون أن الأولى في
اجتثات بذرة التطرف الاهتمام بالحقل الثقافي، وإعطاء المثقف دفعة قوية للمساهمة في الرد على الخطاب
التحريضي المتطرف ونسف دعائمه.

لكن، وحتى ينجح المثقف في مسعاه عليه أولا أن يتصالح مع رجل الدين، ثم يجب أن يراجع كلا الطرفين
الطريقة المتعالية التي ينظر بها كل طرف إلى الآخر.

ويرى محمد شهيد، أستاذ في المقاصد والأصول بجامعة وجدة، في حديث لـ”العرب”، إنه من الصعب فصل
الجانب الديني عن الجانب الثقافي في ضرب معاقل التطرف. فدور المثقف يكمل دور رجل الدين، والفصل
بينهما لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الإسلام الذي يحث على إعمال العقل والفكر، فالتكامل حاصل في
الثقافة الإسلامية ولا داعي للتمييز.

الحرب تتطلب على الإرهاب وجود رؤى مشتركة تنبني على خطاب ديني وثقافي متجدد، ما يعني ضرورة
التنسيق وليس تبادل الاتهامات بين المثقفين ورجال الدين

رؤى مشتركة

تتطلب الحرب على الإرهاب وجود رؤى مشتركة في المواجهة الفكرية تنبني على خطاب ديني وثقافي متجدد،
ما يعني ضرورة التنسيق وليس التلاسن وتبادل الاتهامات بين المثقفين ورجال الدين.

ويشير محمد شهدي إلى نقطة هامة، وهي أنه لا بدّ أن ينفتح المثقف المغربي والعربي، عموما، على الثقافة
الإسلامية بكل شموليتها، حيث إن أغلب النخبة المثقفة في العالم العربي تعرف عن الثقافة الغربية وفلسفاتها
وأدبياتها أكثر مما تعرفه عن الثقافة الإسلامية، الأمر الذي فتح المجال أمام جهات متشددة لتقديم قراءات
وتفسيرات للثقافة الإسلامية بما يناسب توجهاتها السياسية والفكرية من جهة، ومن جهة أخرى جعل النخبة القليلة
من المثقفين العرب المعنيين بالتراث الإسلامي محل اتهامات ومواجهة غير متكافئة مع رجال الدين.

في المقابل، وكما هو مطلوب من المثقف أن يكون ملمّا بالثقافة الإسلامية والجوانب الدينية، يؤكد محمد شهيد،
أن الشروط مشابهة ويجب أن تنطبق على رجل الدين، الذي قد يكون متخصصا في مجاله الضيق، لكنه غير ملمّ
بجوانب متعددة من الواقع المحلي والإقليمي والإنساني، وبما يعيقه أحيانا عن تقديم إجابات حديثة تواكب عصر
الأسئلة المطروحة، وبالتالي تكون الإجابات “التراثية” من بين عوائق نجاح عملية استئصال الفكر المتطرف.

ويرى مختصون في علوم السوسيولوجيا والتواصل أن العمل في مجال تطوير الحقل الديني والبرامج التعليمية
والخطاب الثقافي والمجال الإعلامي كفيل بحشر التطرف والإرهاب في زاوية ضيقة.

ويرى سعيد كفايتي، الأستاذ المتخصص في مقارنة الأديان بكلية الآداب بفاس، في حديث لـ”العرب”، أن أكبر
مروّج للخطاب المتطرف هو الإسلام السياسي، موضحا أنه قد لا يكون الأمر مقصودا عند أصحاب هذا
الخطاب، ولكن المتلقين له من صغار العقول هم الذين يحوّلونه إلى عنف رمزي أو مادي.

واعتبر كفايتي أن من واجب المثقف أن ينزل من برجه العاجي، من أجل ترويج خطاب الحوار والتسامح
والتفاهم، ويقاوم التطرف من مواقع مختلفة ومنصات متعددة كالصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة والإعلام
الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويؤيده إدريس الكنبوري، الباحث المغربي في قضايا الفكر الإسلامي، مشيرا في حديث لـ”العرب”، إلى أن دور
المثقف محوري في مكافحة ظاهرة العنف والتطرف في المجتمع، ولكننا نلاحظ تبخيسا لهذا الدور عبر تغييب
المثقفين وعدم إشراكهم في وضع خطط ومقاربات لمحاربة الإرهاب. وأشار إلى أن عودة المثقف إلى لعب دور
في مكافحة التطرف والعنف ستكون صعبة من دون وضع استراتيجية ثقافية حقيقية تجعل منه عنصرا مهما في
القضايا التي تجري في جسم المجتمع.

ويحمّل الكنبوري الدولة جزءا من مسؤولية تراجع المثقفين عبر إزاحتهم من المشهد العام، في المقابل جعلت من
المغنين والراقصين رموزا في المجتمع على حساب النخبة المثقفة.

العمل في مجال تطوير الحقل الديني والبرامج التعليمية والخطاب الثقافي والمجال الإعلامي كفيل بحشر التطرف
والإرهاب في زاوية ضيقة
وأشار إلى أن مسألة انخراط المثقف في معركة محاربة الإرهاب في المغرب، لا يمكن لها أن تنجح في ظل
الطريقة التقليدية التي تتصرف بها الأجهزة الأمنية تجاه المثقفين والباحثين في الظاهرة الإرهابية والتطرف
الديني.
مشكلة أمنية وثقافية ودينية

يرجع المتابعون تفشي ظاهرة الإرهاب في العالم العربي إلى غياب الحوار العقلاني وانحدار المستوى الثقافي
واختصار الدين في المظهر.

ويعترف عبدالحق الخيام، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بما للثقافة من أدوار في إبطال قنبلة
التطرف والتحصين ضد الإرهاب، وقد دعا المثقفَ المغربي إلى أن يعود إلى رسالته، وأن يقوم بواجبه في
تأطير المجتمع، إذ أن جميع المتورطين في الخلايا الإرهابية لهم تكوين دراسي بسيط، فالمشكلة ليست فقط مشكلة
أمنية.

ويقول الخيام إنه “من الصعب محو الأفكار الظلامية لدى المتهم بعد غسيل الدماغ الذي يتعرض له. فمثلا بعض
تلاميذ شيوخ السلفية مقتنع بأفكاره، رغم أن البعض من مشايخهم الذين كانوا يستشهدون بهم قاموا بتصحيحات
في أفكارهم الدينية”، وهنا تبرز أهمية تكامل الأدوار بين المثقف ورجل الدين.

يرى مثقفون مغاربة أنه للوقوف في وجه التطرف والأعمال الإرهابية الناتجة عنه تأتي الثقافة كسد منيع ضد
هذه الظاهرة التي أضحت كونية، مهيبين بالمؤسسات الوصية على القطاعات المرتبطة بما هو ثقافي أن تتيح
الفرصة للكتاب في جميع التخصصات ودعمهم للإدلاء بتصوراتهم وأفكارهم حول سبل نشر الوعي بين أوساط
المجتمع والوقوف ضد أي محاولة لإلغاء قيم التسامح والتنوع.

وتدعو فاطمة صديقي، أستاذة اللسانيات ودراسة النوع بجامعة محمد بن عبدالله بفاس، المثقفين إلى الانخراط
الفعلي في المقاربة الشمولية ضد الإرهاب والتطرف وآلياتهما الأيديولوجية، كل من زاويته وقبل فوات الأوان،
والجميع معني بهذه الحرب، إذ أن حجم ما يقع في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط كبير، وذو أبعاد قد
يدركها المثقفون أكثر من غيرهم.

إعادة تشكيل الوعي العربي وفق نسق الحياة المعاصرة يمر حتما وضرورة بإعادة تشكيل الرؤية للدين والتراث،
وهي رؤية تاريخية عليها أن تكون صلبة ومنحازة للدولة والمواطنة والوحدة الاجتماعية، وبالتالي في نقيض مع
الطائفية والدينية والظلامية؛ وعلى المثقفين مسؤولية الحفاظ على حاضر ومستقبل بلدانهم ومقاومة الفكر
الظلامي عن طريق الكلمة والقلم، مع الاعتزاز بحضارة هذه البلدان الثقافية العريقة والمتعددة الأوجه والألسن،
والاعتزاز بقدرة المسلمين على الاقتباس الواعي من حضارات العالم دون نسيان هويتهم.

 

عن محمد بن امحمد العلوي

alawi@dinpresse.com'

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *