اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم

أحمد بن محمد الشبيكان إمام وخطيب مسجد عمر مكرم بالقاهرة، محط الأنظار مؤخرا وحديث المجالس، ونجما في التليفزيون، حيث اتخذ موقعا معارضا للإخوان المسلمين والنظام الحاكم – حاليا – في مصر، وأصبح الصوت المتدين وسط الطائفة العلمانية التي تعارض نظام مرسي، وتستغل إعلاما ضخما، وأبواقا متعددة، ومن ورائها جحافل من الفنانين والراقصات، وأصحاب المصالح الآنية، والخائفين من الحكم الإسلامي والتجربة الرشيدة الوليدة..

تنَمَّرَ العلمانيون، ونزعوا الأقنعة المصطنعة، وكشفوا عن حقيقتهم البشعة، فحاولوا الانقلاب على الشرعية، وسلقوا الإسلاميين بألسنة حداد، وأطلقوا فيهم العنان للاتهام الممنهج، والتنفير المتواصل، مستخدمين كل ما تحت أيديهم من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، حتى صَوَّرُوهم شياطين زرق، أتوا ليقضوا على الحضارة والثقافة والحياة، ويجرفوا الأمل والوطن، ويحفروا القبر الأخير.  

وطبعا تلك أضاليل شيطانية، وتلبيسات علمانية.. لأن الإسلاميين طيلة تاريخهم الماضي وفي أثناء الحكم العلماني المتفسخ كانوا في أقبية السجون وسراديب الاعتقال، وكان بعضهم رهينة الشتات والاغتراب والمنافي ولما أتيح لهم أن يحكموا بفعل الأقدار الإلهية، وبأثر من الربيع العربي الأخضر والثورات المزهرة.. انقلبت عليهم زمر بني علمان، وأيتام العهود المنقضية الذين انتهت لهم مواسم الحصاد والنهب والأكل بدون حساب .
فأعدوا لهم العدة، وأوضعوا في الفتنة، وحاسبوهم على النقير والقطمير ووضعوا في طريقهم العوائق، وكبلوا أيديهم بمظاهرات مفتعلة وحرائق مشتعلة، وثغرات هنا وهناك مفتوحة .

فوقع الإسلاميون في مصيدة هؤلاء الخبثاء، المدربين على تلاوين السياسة وحِربَاءِيتها المتحولة.  وإلا فكيف تحاسب من لم تترك له فرصة العمل، ولم تبذل له أدنى طاعة.
قال أحمد شوقي:
واذكر الترك إنهم لم يطاوعوا   ***   فيرى الناس أحسنوا أم أساؤوا

في هذا الجو المضطرب، ووسط خيوط المؤامرة المحبوكة، طاب لبني علمان أن يستعملوا كل من وقع تحت أيديهم، وقبل بما به يوحون إليه، فوجدوا إماما شابا يؤم الناس في مسجد "عمر مكرم"، فأوحوا إليه، وسلطوا عليه الضوء، فاتخذ موقعه النشاز بين صفوفهم، وخرج يبارز نظاما حاكما أتى بشكل ديمقراطي شفاف إلى الحكم، وأطلق للسانه العنان متهما الحزب الحاكم بأنه يريد سرقة الدولة، و"أخونة أجهزتها"، ويدعي الحرص على الأزهر، ويسعى لحمايته، ويتجاوز الإمام حجمه، ووظيفته ورسالته ويقف في المربع الخطإ تماما.

فما كان من وزير الأوقاف المصري – وهو عالم جليل وشيخ رباني – إلا أن يصدر قرار إيقافه عن مهام الخطابة.. ذلك القرار الوزاري حول إلى القضاء الإداري الذي نظر فيه، وبت الحكم بإبطال قرار التوقيف، وتثبيت الإمام في مسجده.

أنا لم يعجبني تحالف الإمام مع القوى المشبوهة، وتسخير المنبر لتكرير أباطيل العلمانيين، ووقوف العمامة في صف الذين يسعون إلى خنق التجربة الإسلامية وإجهاض نشوئها، وإهدار فرصها بعد ليل طويل مُدْلَهِم من التجارب البائسة المستَوْرَدَة، ولعل الإمام لم يسمع قول أبي فراس:

رويدك لا تصل يدها بباعك     ***    ولا تغز السباع إلى رِبَاعِك
ولا تعن العَدوَّ على .. أني     ***    يمين إن قُطعت ُ فمن ذِراعِك

لكنه أعجبني بشدة القضاء المستقل الحر، الذي استطاع أن يحمي هذا الإمام الطائش من العزل والتوقيف، وينجيه من عقابيل التشرد.

وما حصل هناك يدل على تحقق فصل السلط، وتمايُز الاختصاص واستقلال قضاء نزيه يستطيع إلجام السلطات التنفيذية أن تكون مزاجية وهوجاء تظلم وتحكم وتفصل بدون حساب.

وذلك – طبعا – دليل على أن العافية بدأت تدِب في جسد ذلك الوطن الشقيق، وأن فرص النهوض أصبحت متاحة، وأن بوارق العدل والكرامة تلوح للناظرين، وأنه لا فراعنة في مصر بعد اليوم تلك الصورة المشرقة البهية عن القضاء المحايد والمستقل هي التي أتمنى أن أراها في هذا القطر السعيد، الذي لم يستطع فيه أحد إلى حد الآن أن يقف في وجه سلطات وزارة الأوقاف، وقوة سطوتها، وقدرتها الخارقة على التوقيف والعزل والإغلاق والتشريد – لأي سبب ومتى شاءت وأينما شاءت وبمن شاءت برمشه عين، أو جرة قلم. في مظهر لسلطة مطلقة مرعبة ومتغولة، ليس من فوقها قضاء، ولا يقبل لضحاياها الاعتراض والشكوى.

لا جَرمَ أن ما نريده – أيها الأئمة الفضلاء – في ضوء ما ذكرناه بعيد وما تسألونه من حقوق ومن عدل وإنصاف في هذا الوطن ليس في المتناول ولا في الإمكان.

لكن إن سألتم عن الحل، فإني أقول لكم: "اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم". أو انزلوا قبرا فان لكم ربكم.

09 مـــاي 2013م

أضف تعليق


Share/Save/Bookmark